ليس من عمل أحبّ إلى اللّه تعالى من جوع وعطش ، ولن يلج « 1 » ملكوت السماء من ملأ بطنه ، ومن ملأ بطنه فقد حلاوة العبادات » .
قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : ما شبعت منذ أسلمت لأجد حلاوة عبادة ربي ، وما رويت منذ أسلمت اشتياقا إلى لقاء ربي ، لأن في كثرة الأكل قلة العبادة ، لأنه إذا أكثر الإنسان الأكل ثقل بدنه وغلبته عيناه وفترت أعضاؤه فلا يجيء منه شيء وإن اجتهد إلا النوم ، فيكون كالجيفة الملقاة . كذا في ( منهاج العابدين ) .
عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : لا تكثر النوم والأكل فإن من أكثر منهما جاء يوم القيامة مفلسا من الأعمال الصالحة . كذا في ( منية الفتى ) .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء » .
ولقد شبّه ذلك بعض الصالحين بأن المعدة كالقدر تحت القلب تغلي والبخار يصل إليه ، فكثرة البخار تكدّره وتسوّده ، وفي كثرة الأكل قلّة الفهم والعلم ، فإن البطنة تذهب الفطنة .
حكي عن يحيى بن زكريا عليه السلام : أن إبليس بدا له وعليه مغاليق . فقال له يحيى : ما هذه ؟ قال الشهوات التي أصيد بها بني آدم . قال يحيى : هل تجد لي فيها شيئا ؟ قال : لا ، إلا أنك شبعت ذات ليلة فثقّلناك عن الصلاة . قال يحيى عليه السلام : لا جرم أني لا أشبع بعدها أبدا .
فقال إبليس : لا جرم أني لا أنصح أحدا أبدا . فهذه فيمن لم يشبع في عمره إلا ليلة ، فكيف بمن لا يجوع في عمره ليلة ثم يطمع في العبادة ؟ .
حكي أيضا عن يحيى بن زكريا عليه السلام : أنه شبع مرة من خبز شعير ، فنام تلك الليلة عن ورده ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا يحيى هل وجدت دارا هي خيرا لك من داري ؟ أو وجدت جوارا هو خيرا لك من جواري ؟ . . . وعزّتي وجلالي لو اطّلعت على الفردوس ، واطّلعت على جهنم لبكيت الصديد بدل الدموع ، وللبست الحديد بدل المسوح .
هامش
( 1 ) يلج : من ولج يلج : أي دخل .