وهذا يدلّ على أنّ البكاء ينبغي أن لا ينقطع أبدا ، وإلى هذا السرّ يشير ما روي : أنّه مرّ بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير ، فتعجّب منه ، فانطقه اللّه تعالى فقال :
منذ سمعت قوله تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
« 1 » فأنا أبكي من خوفه ، فسأل اللّه له أن يجيره من النار فأجاره ، ثم رآه بعد مدّة على مثل ذلك فقال : لم تبكي الآن ؟ فقال ذاك بكاء الخوف ، وهذا بكاء الشكر والسرور .
وقلب العبد كالحجارة أو أشدّ قسوة ، ولا تزول قسوته إلّا بالبكاء في حال الخوف والشكر جميعا .
وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « ينادى يوم القيامة ليقم الحمّادون « 2 » ، فتقوم زمرة « 3 » ، فينصب لهم لواء ، فيدخلون الجنّة » قيل : ومن الحمّادون ؟ قال : « الذين يشكرون اللّه تعالى على كلّ حال » .
وفي لفظ آخر : « الذين يشكرون اللّه على السرّاء والضرّاء » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد رداء الرحمن » .
وأوحى اللّه تعالى إلى أيوب عليه السلام : أني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي .
في كلام طويل .
وأوحى اللّه تعالى إليه أيضا في صفة الصابرين : أنّ دراهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر ، وهو خير الكلام ، وعند الشكر أستزيدهم ، وبالنظر إليّ أزيدهم .
ولمّا نزل في الكنوز « 4 » ما نزل قال عمر رضي اللّه عنه : أيّ المال نتّخذ ؟ فقال عليه السلام : « ليتّخذ أحدكم لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا » فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 24 .
( 2 ) الحمّادون : أي الذين يحمدون اللّه ويشكرونه على جميع الأحوال .
( 3 ) زمرة : جماعة .
( 4 ) أي قوله تعالى :وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِسورة التوبة ، الآية : 34 ) .