ومن يحمد الدنيا لعيش سرّه * فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
وقال بعض الحكماء : كانت الدنيا ، ولم أكن فيها ، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها ، فلا أسكن إليها ، فإن عيشها نكد « 1 » ، وصفوها كدر ، وأهلها منها على وجل ، إمّا بنعمة زائلة ، أو بليّة نازلة ، أو منيّة قاضية .
وقال بعضهم : من عيب الدّنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحقّ ، لكنّها إمّا أن تزيد ، وإمّا أن تنقص .
وقال سفيان : أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها ، قد وضعت في غير أهلها .
وقال أبو سليمان الداراني : من طلب الدنيا على المحبّة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر ، ومن طلب الآخرة على المحبّة لها لم يعط منها شيئا إلّا أراد أكثر ، وليس لهذا غاية ولا لهذا غاية .
وقال رجل لأبي حازم : أشكو إليك حبّ الدنيا ، وليست لي بدار . فقال : انظر ما آتاكه اللّه عزّ وجلّ منها فلا تأخذه إلّا من حلّه ، ولا تضعه إلّا في حقّه ، ولا يضرّك حبّ الدنيا . وإنما قال هذا لأنّه لو آخذ نفسه بذلك لأتعبه حتى يتبرّم بالدنيا ، ويطلب الخروج منها .
وقال يحيى بن معاذ : الدنيا حانوت الشيطان ، فلا تسرق من حانوته شيئا ، فيجيء في طلبه فيأخذك .
وقال الفضيل : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى . لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى ، فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقى ؟
وقال أبو حازم : إيّاكم والدنيا فإنّه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظّما للدنيا فيقال : هذا عظّم ما حقّره اللّه .
هامش
( 1 ) النكد : هو كل فعل جرّ على صاحبه شرا .