وقال أبو سعيد الخدري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج اللّه لكم من بركات الأرض » فقيل : ما بركات الأرض ؟ قال « زهرة الدنيا » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا » .
فنهى عن ذكرها فضلا عن إصابة عينها .
وقال عمّار بن سعيد : مرّ عيسى عليه السلام بقرية ، فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق .
فقال : يا معشر الحواريين ! إن هؤلاء ماتوا عن سخطة ، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا . فقالوا : يا روح اللّه ، وددنا أنّا لو علمنا خبرهم .
فسأل اللّه تعالى ، فأوحى إليه : إذا كان الليل فنادهم يجيبوك . فلمّا كان الليل أشرف على نشز « 1 » ، ثم نادى : يا أهل القرية ! فأجابه مجيب : لبّيك يا روح اللّه .
فقال : ما حالكم ، وما قصّتكم ؟ قالوا : بتنا في عافية ، وأصبحنا في الهاوية . قال :
وكيف ذاك ؟ قالوا : بحبّنا الدنيا ، وطاعتنا أهل المعاصي . قال : وكيف كان حبّكم للدنيا ؟
قالوا : حبّ الصبيّ لأمّه ، إذا أقبلت فرحنا بها ، وإذا أدبرت حزنّا وبكينا عليها . قال : فما بال أصحابك لم يجيبوني ؟ قال : لأنهم ملجمون « 2 » بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد . قال : فكيف أجبتني أنت من بينهم ؟ قال : لأنّي كنت فيهم ولم أكن منهم ، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم ، فأنا معلّق على شفير « 3 » جهنم لا أدري أنجو منها أم أكبكب « 4 » فيها ؟ فقال المسيح للحواريين : لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ، ولبس المسوح ، والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة .
وقال أنس : كانت ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العضباء لا تسبق . فجاء أعرابيّ بناقة فسبقها ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّه حقّ على اللّه أن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه » .
هامش
( 1 ) نشز : النّشز : هو المكان المرتفع .
( 2 ) اللجام : هي الحديدة التي توضع على فم الفرس .
( 3 ) شفير : الشفير هو الحرف والجانب والناحية .
( 4 ) اكبكب : ألقى فيها .