وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض خطبه « المؤمن بين مخافتين ، بين أجل قد مضى ، لا يدري ما اللّه صانع فيه ، وبين أجل قد بقي ، لا يدري ما اللّه قاض فيه ، فليتزّود العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن حياته لموته ، ومن شبابه لهرمه ، فإنّ الدنيا خلقت لكم ، وأنتم خلقتم للآخرة ، والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنّة أو النار » .
وقال عيسى عليه السلام : لا يستقيم حبّ الدنيا والآخرة في قلب مؤمن ، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد .
وروي أنّ جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام : يا أطول الأنبياء عمرا ، كيف وجدت الدنيا ؟ فقال : كدار لها بابان ، دخلت من أحدهما ، وخرجت من الآخر .
وقيل لعيسى عليه السلام : لو اتّخذت بيتا يكنّك ! قال : يكفينا خلقان من كان قبلنا .
وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : « احذروا الدنيا ، فإنها أسحر من هاروت وماروت » .
وعن الحسن قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم على أصحابه فقال : « هل منكم من يريد أن يذهب اللّه عنه العمى ، ويجعله بصيرا ؟ ألا إنه من رغب « 1 » في الدنيا ، وطال أمله فيها أعمى اللّه قلبه على قدر ذلك ، ومن زهد في الدنيا وقصّر فيها أمله أعطاه اللّه علما بغير تعلّم ، وهدى بغير هداية .
ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبّر ، ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ، ولا المحبّة إلا باتباع الهوى ، ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر ، وهو يقدر على الغنى ، وصبر على البغضاء « 2 » وهو يقدر على المحبّة ، وصبر على الذّل وهو يقدر على العزّ لا يريد بذلك إلا وجه اللّه تعالى أعطاه اللّه ثواب خمسين صدّيقا .
وروي أنّ عيسى عليه السلام اشتدّ عليه المطر والرعد والبرق يوما ، فجعل يطلب
هامش
( 1 ) رغب : طمع وحرص على الشيء .
( 2 ) البغضاء : الصبر على المقت والكره .