رباطه . وارتحل عن القلوب حرمة « 19 » الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة « 20 » ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ، ودانوا « 21 » بترك الاحترام ، وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا في ميدان الغفلات ، وركنوا إلى اتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات . . ولعل الله سبحانه يجود بلطفه في التنبيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة » « 22 » .
وإن كل تطرف في التصوف الإسلامي ، مرده إلى أثر وافد غريب ، أما الجانب المتزن فهو من عمل الإسلام .
- 4 - [ إن الصوفية تحمّل وأعباء ، و . . . ]
إن الصوفية تحمّل وأعباء ، وتضحية وابتلاء ، وفتوة « 23 » ووفاء ، وقد كان
هامش
( 19 ) احترامها .
( 20 ) أقوى وسيلة يصلون بواسطتها إلى مآربهم .
( 21 ) تدينوا بعدم احترام الشيوخ .
( 22 ) الرسالة ص 20 فما بعدها تحقيق د . عبد الحليم محمود وزميله . وانظر اللطائف : 5 / 413 .
( 23 ) وقد أشاد القرآن بخلق ( الفتوة ) عندما وصف أصحاب الكهف بأنهمفِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً( الكهف : 13 ) وهم فتية ، لأنهم آمنوا بربهم بلا واسطة ( الرسالة القشيرية 473 تحقيق د . عبد الحليم محمود ) .
وقد وصف بهذا الخلق إبراهيم عليه السّلام ، ففي سورة الأنبياء 60قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُأوليس من الفتوة أنه كسر أصنامهم وجعلها جذاذا ؟
ثم أخذت الفتوة تعبر التاريخ ، وتمخر الآماد متطورة حتى اكتملت في سيدنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، يقول القشيري : سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول « هذا الخلق ( أي الفتوة ) لا يكون كماله إلا لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن كل أحد في يوم القيامة يقول : نفسي نفسي ، وهو - صلّى اللّه عليه وسلم - يقول : أمتي أمتي . ( الرسالة 472 تحقيق د . عبد الحليم محمود ) .
وبهذا نجد أنفسنا أمام فتوة إسلامية تختلف عن الفتوة العربية الجاهلية ، ففتوة الإسلام تسمو على فتوة الجاهلية وترتفع ، وتصرع أنانيتها بالإيثار والبذل ، والصدق والمروءة ، وتقوم على مبدأين مهمين :
الإيثار والجهاد ، ولهذا يعرف الجنيد الفتوة بقوله « فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها » والفتى عندهم : من لا يدخر ولا يعتذر ، وقال عنها الحارث المحاسبي « أن تنصف ولا تنتصف » الرسالة 273 .
وقيل : الفتى - يطيع مولاه ، ويخالف هواه ، ويراقب الله ويخشاه ، ويستحى منه كأنه يراه . أما جانب الجهاد ، فقد رابط هؤلاء الفتيان في الثغور الإسلامية في : تركستان ، وعلى الحدود بين الأناضول -