قال : فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة ، وكانت المسألة تمر بي ، وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم به .
ثم صار أمره إلى ما صار .
وقيل : حجم « جنيد الحجام » داود الطائي ، فأعطاه دينارا ، فقيل له : هذا إسراف .
فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له .
وكان يقول بالليل : الهى همك عطل على الهموم الدنيوية ، وحال بيني وبين الرقاد .
سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سعيد بن عمرو قال : حدثنا علي بن حرب الموصلي قال : حدثنا إسماعيل بن زياد الطائي قال : قالت داية « 1 » داود الطائي له :
أما تشتهى الخبز ؟ فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .
ولما توفى داود ، رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو فقال له : مالك ؟
فقال : الساعة تخلصت من السجن .
فاستيقظ الرجل من منامه ، فارتفع الصياح بقول الناس : مات داود الطائي .
وقال له رجل : أوصني . فقال له : عسكر الموت « 2 » ينتظرونك .
ودخل بعضهم عليه ، فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس ، فقال له : ألا تحولها إلى الظل ؟ .
فقال : حين وضعتها لم يكن شمس ، وأنا أستحى أن يراني اللّه أمشى لما فيه حظ نفسي .
ودخل عليه بعضهم ، فجعل ينظر إليه ، فقال : أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام ؟
أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني قال : أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن يحيى المزكى :
قال : حدثنا قاسم بن أحمد ، قال : سمعت ميمونا الغزالي قال : قال أبو الربيع الواسطي :
قلت لداود الطائي : أوصني .
فقال : صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الموت ؛ وفر من الناس كفرارك من السبع .
هامش
( 1 ) جارية ، وقالت له ذلك حينما رأته لا يأكل الخبز ، بل يشرب الفتيت .
( 2 ) وفي نسخة « عسكر الموتى » .