باب السماع
قال اللّه عز وجل :
« فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ »
« 1 » .
اللام « 2 » في قوله « القول » تقتضى التعميم والاستغراق ، والدليل عليه « 3 » :
مدحهم باتباع الأحسن .
وقال تعالى :
« فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ » ،
« 4 » جاء في التفسير : أنه السماع .
واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ، ولم يسمع على مذموم في الشرع ، ولم يثجر في زمام هواه ، ولم ينخرط في سلك لهوه ، مباح في الجملة .
ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها « 5 » . فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان .
هذا ظاهر من الأمر . ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ، وتذكر ما أعد اللّه تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ، ويؤدى إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع ، وقد جرى على لفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما هو قريب من الشعر ، وإن لم يقصد أن يكون شعرا .
أخبرنا : أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا أبو النضر قال : حدثنا شعبة عن حميد قال : سمعت أنسا يقول : كانت الأنصار يحفرون الحندق فجعلوا يقولون :
نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما يقينا أبدا
هامش
( 1 ) آية 18 من سورة الزمر .
( 2 ) وفي نسخة : الألف واللام .
( 3 ) أي على التعميم والاستغراق .
( 4 ) آية 15 من سورة الروم .
( 5 ) أخرج ابن ماجة في سننه عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : أنشدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت يقول بين كل قافية : ( هبه : أي زدني ) وقال كاد أن يسلم » وعن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « إن من الشعر حكما » .