وقال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد أصغرهم صنا ، فقالوا له : هات ما عندك يا عراقي ، فأطرق رأسه ، ودمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ؛ فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فعن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو باللّه وللّه ومع اللّه فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد ، جبرك اللّه يا تاج العارفين .
وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ، إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبى وحب غيرى فيها .
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن القاسم قال :
حدثنا هميم بن همام قال : أخبرنا إبراهيم بن الحارث قال : حدثني عبد الرحمن ابن عفان قال : حدثني محمد بن أيوب قال : حدثني أبو العباس خادم الفضيل ابن عياض قال : احتبس بول الفضيل ، فرفع يديه وقال : اللهم بحبي لك إلا أطلقته عنى ، فما برحنا حتى شفى .
وقيل المحبة : الإيثار كامرأة العزيز لما تناهت في أمرها قالت :
« أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ »
« 1 » .
وفي الابتداء قالت :
« ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
« 2 » فوركت « 3 » الذنب في الابتداء عليه ، وفي الانتهاء نادت على نفسها بالخيانة .
سمعت الأستاذ أبا على يقول ذلك .
وحكى عن أبي سعيد الخراز أنه قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام ،
هامش
( 1 ) آية 51 من سورة يوسف .
( 2 ) آية 25 من سورة يوسف .
( 3 ) أي نسبت .