وقال الواسطي : لا تصح المعرفة وفي العبد استغناء باللّه وافتقار إليه .
قال الأستاذ : أراد الواسطي بهذا : أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه ؛ لأنهما من صفاته ، والعارف محو في معروفه « 1 » ؛ فكيف يصح له ذلك ، وهو لاستهلاكه في وجوده ، أو لاستغراقه في شهوده إن لم يبلغ الوجود مختطف « 2 » عن إحساسه بكل وصف هو له .
ولهذا قال الواسطي أيضا : من عرف اللّه تعالى انقطع ، بل خرس وانقمع .
قال صلى اللّه عليه وسلم :
« لا أحصى ثناءا عليك » .
هذه صفات الذين بعد مرماهم ، فأما من نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا في المعرفة وأكثروا .
أخبرنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي
قال : حدثنا عياش بن حمزة قال : سمعت أحمد بن أبي الحوارى قال : سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول : من كان باللّه أعرف كان له أخوف .
وقال بعضهم : من عرف اللّه تعالى تبرم بالبقاء ، وضاقت عليه الدنيا بسعتها .
وقيل : من عرف اللّه صفا له العيش ، وطابت له الحياة ، وهابه كل شئ .
وذهب عنه خوف المخلوقين ، وأنس باللّه تعالى .
وقيل : من عرف اللّه ذهب عنه رغبة الأشياء ، وكان بلا فصل ولا وصل .
وقيل : المعرفة توجب الحياء والتعظيم ، كما أن التوحيد يوجب الرضا والتسليم .
وقال رويم : المعرفة للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه .
وقال ذو النون المصري : ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة فسبقت روح نبينا ، صلى اللّه عليه وسلم ، أرواح الأنبياء عليهم السلام إلى روضة الوصال .
وقال ذو النون المصري : معاشرة العارف كمعاشرة اللّه تعالى يحتملك ويحلم عنك ، تخلقا بأخلاق اللّه .
هامش
( 1 ) وهو اللّه .
( 2 ) مغيب .