وسئل أبو الحسن النوري : من أين تولدت فراسة المتفرسين ؟
فقال : من قوله تعالى :
( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) ،
« 1 » فمن كان حظه من ذلك النور أتم ، كانت مشاهدته أحكم ، وحكمه بالفراسة أصدق ، ألا ترى كيف أوجب نفخ الروح فيه « 2 » السجود له بقوله تعالى :
( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) .
وهذا الكلام من أبى الحسن النوري فيه أدنى غموض وإبهام ؛ يذكر نفخ الروح « 3 » ، لتصويب من يقول بقدم الأرواح ، ولا كما يلوح لقلوب المستضعفين فان الذي يصح عليه النفخ والاتصال والانفصال فهو قابل للتأثير والتغيير ، وذلك من سمات الحدوث ، وأن اللّه ، سبحانه وتعالى ، خص المؤمنين ببصائر وأنوار بها يتفرسون ، وهي في الحقيقة معارف ، وعليه يحمل قوله صلى اللّه عليه وسلم :
( فإنه ينظر بنور اللّه ) أي بعلم وبصيرة يخصه اللّه تعالى به ويفرده به من دون أشكاله ، وتسمية العلوم والبصائر أنوارا : غير مستبدع ، ولا يبعد وصف ذلك بالنفخ ، والمراد منه : الخلق .
وقال الحسين بن منصور :
المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده ، ولا يعرج على تأويل وظن وحسبان .
وقيل : فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا « 4 » ، وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة .
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي :
إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق ؛ فإنهم جواسيس القلوب ؛ يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون .
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه ، يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول :
سمعت الخلدى يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول : الفراسة أول خاطر بلا معارض ؛ فان عارض معارض من جنسه فهو خاطر وحديث نفس .
هامش
( 1 ) آية 29 من سورة الحجر وآية 72 من سورة ص .
( 2 ) أي في آدم .
( 3 ) أي لجعل نفخ الروح هو السبب الموجب لسجود الملائكة .
( 4 ) أي يقينا .