أحوال خلقه . ليس له من خلقه مزاج ، ولا في فعله علاج « 1 » . باينهم بقدمه ، كما باينوه بحدوثهم .
إن قلت : منى « 2 » ، فقد سبق الوقت كونه « 3 » . وإن قلت : هو ، فالهاء والواو خلقه . وإن قلت . أين ، فقد تقدم المكان وجوده .
فالحروف آياته « 4 » . ووجوده إثباته « 5 » . ومعرفته توحيده « 6 » . وتوحيده تمييزه من خلقه . ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ، كيف يحل به ما منه بدأه ؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه ؟ لا تماقله « 7 » العيون ، ولا تقابله الظنون « 8 » . قربه كرامته « 9 » ، وبعده إهانته ، علوه من غير توقل « 10 » . ومجيئه من غير تنقل « 11 » .
هو : الأول « 12 » ، والآخر « 13 » ، والظاهر « 14 » ، والباطن ، القريب البعيد ، الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير .
سمعت أبا حاتم السجستاني « 15 » يقول : سمعت أبا نصر الطوسي السراج يحكى عن يوسف بن الحسين ، قال : قام رجل بين يدي ذي النون المصري « 16 » ، فقال :
أخبرني عن التوحيد : ما هو ؟ فقال هو : أن تعلم قدرة اللّه تعالى في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه للأشياء بلا علاج ، وعلة كل شئ صنعه « 17 » ، ولا علة لصنعه .
هامش
( 1 ) معالجة بوسايط وأسباب للايجاد .
( 2 ) متى : أي متى وجد .
( 3 ) كونه : وجوده .
( 4 ) أي مادة آياته ودلائله المنزلة على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم .
( 5 ) لا يكفى مجرد الاعتقاد بوجوده ، بل لا بد من إقامة الأدلة على ثبوته .
( 6 ) معرفته بصفاته وليدة توحيده .
( 7 ) لا تماقله العيون : لا تراه بالمقل .
( 8 ) لا تدركه الأوهام والعقول ؛ لقصور الحادث عن إدراك القديم جل شأنه .
( 9 ) قربه من عبده إحسان له وإكرام .
( 10 ) علوه على عبده علو جلالة وعظمة ، لا علو مكان .
( 11 ) مجئ فضله ونزول أمره من غير حركة أو انتقال .
( 12 ) قبل كل شئ بلا بداية .
( 13 ) بعد كل شى بلا نهاية .
( 14 ) بآثار قدرته .
( 15 ) هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمي توفى سنة 248 ه ، من أهل البصرة ، عالم له نيف وثلاثون كتابا .
( 16 ) هو أبو الفيض ذو النون المصري الإخميمى . عالم صوفي ، ورع توفى سنة 245 ه .
( 17 ) قدرته أوجدت الكائنات فلا صانع غيره .