ومنهم من قال : ينبغي للعبد أن لا يختار ترك الحلال بتكلفه ، ولا طلب الفضول مما لا يحتاج إليه ويراعى القسمة . فان رزقه اللّه ، سبحانه وتعالى مالا من حلال شكره ، وإن وقفه اللّه تعالى ، على حد الكفاف لم يتكلف في طلب ما هو فضول المال فالصبر أحسن بصاحب الفقر ، والشكر أليق بصاحب المال الحلال .
وتكلموا في معنى الزهد :
فكل نطق عن وقته ، وأشار إلى حده .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : حدثنا أحمد بن إسماعيل الأزدي قال : قال : حدثنا عمران بن موسى الإسفنجى قال : حدثنا الدورقي قال : حدثنا وكيع قال : قال سفيان الثوري :
الزهد في الدنيا : قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء .
وسمعته يقول : سمعت سعيد بن أحمد يقول : سمعت عباس بن عصام يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى السقطي يقول :
إن اللّه سبحانه ، سلب الدنيا عن أوليائه ، وحماها « 1 » عن أصفيائه ، وأخرجها من قلوب أهل وداده ؛ لأنه لم يرضها لهم .
وقيل : الزهد من قوله « 2 » سبحانه وتعالى :
« لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »
« 3 » .
فالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا ، ولا يتأسف على مفقود منها .
وقال أبو عثمان : الزهد : أن تترك الدنيا ثم لا تبالى بمن أخذها « 4 » .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول :
الزهد : أن تترك الدنيا كما هي ، لا تقول أبنى بها رباطا أو أعمر مسجدا .
وقال يحيى بن معاذ : الزهد : يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح ، وقال ابن الجلاء : الزهد : هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها .
هامش
( 1 ) أمسكها .
( 2 ) أي مأخوذ .
( 3 ) آية 23 من سورة الحديد .
( 4 ) وفي نسخة : الزاهد : الذي يترك الدنيا ثم لا يبالي من أخذها .