أعلم أن جميع بنى الإنسان محجوبون عن عظمة الحق إلا أولياء اللّه وأصفياءه ولما كان هذا الكتاب تبيانا لطريق الحق ، وبيانا لغامض الإشارات ، وكشفا لحجاب الفناء ، فإني لم أجد عنوانا أليق به غيره . ذلك أن الكشف يقضى على الحجاب ، كما أن الحجاب يقضى على المكاشفة ، فلا طاقة للقريب على البعد ، كما أنه لا طاقة للبعيد على القرب .
مثال ذلك : إن الحيوانات التي لا تعيش إلا في الخلاء لا يمكنها أن تعيش في غيره ، والعكس بالعكس . وسلوك طريق المعاني شديدة المشقة إلا لذلك الذي كان مخلوقا من أجلها . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « كل ميسر لما خلق له » « 1 » وقد خلق اللّه عز وجل كل عبد لأمر وسهل عليه بطريقه .
هناك حجابان : حجاب الرين الذي لا يمكن رفعه ، وحجاب الغين الذي يسهل كشفه . وتفصيل ذلك : أن صاحب حجاب الرين محجوب عن الحق بصفاته ، فهو بقلبه وقالبه يبحث عن الحق ويفر من الباطل ، وعلى ذلك فحجاب الرين يستحيل رفعه . والرين رمز للختم والطبع . قال اللّه تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 2 » .
ثم كشف سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 3 » .
ووضح بعد ذلك السبب ، فقال سبحانه :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
« 4 » .
وقال أيضا :
طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
« 5 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد وأبو داود ، والترمذي .
( 2 ) سورة المطففين آية : 14 .
( 3 ) سورة البقرة آية 6 .
( 4 ) سورة البقرة آية : 7 .
( 5 ) سورة النحل آية 108 .