التفكير فيهم ، ويتصل باللّه ، وليس للغير مكان في قلبه يجعله يهتم بهم ، وليس لوجودهم قيمة لديه بحيث يهتم بهم عقله .
يروى عنه أنه قال : « لا تصح العبادة إلا بالتوبة ، فقد قدم اللّه التوبة على العبادة في قوله تعالى :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ
« 1 » . فالتوبة أول مقام في هذا الطريق ، والعبادة آخر مقاماته . وعندما ذكر اللّه العاصين طالبهم بالتوبة حيث قال :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
« 2 » لكن عندما ذكر الرسول أشار إلى عبوديته حيث قال :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
« 3 » .
وقد قرأت في الأثر أن داود الطائي جاء إلى جعفر الصادق ، وقال : « يا ابن رسول اللّه ! ، انصحنى ، فقد أظلم قلبي ! فأجابه جعفر : يا أبا سليمان ! ، أنت شيخ عصرك ، فما لك بنصيحتى حاجة . فأجابه : يا ابن الرسول ! ، أنت من بيت يعلو على سائر البشر ، وعليك أن تسدى النصح للجميع . فصاح جعفر : يا أبا سليمان ! ، إني أخشى أن يجئ جدى يوم الحساب ، ويمسك بي ويقول : لماذا لم تف بالعهد ، وتترسم خطاى ؟ ليس هذا أمر يقوم على القربى لمحمد ، بل على السلوك الطيب في حضرة الحق ، فأجهش داود الطائي بالبكاء وقال : يا إلهي ، إذا خامر الشك شخصا عجنت طينته بماء النبوة ، وجده رسول اللّه وأمه فاطمة البتول ، فمن أنا حتى تسرنى أعمالى ؟ » .
وقال جعفر ذات يوم لأتباعه : « تعالوا نتعاهد على أن يقوم من ينال منا الخلاص يوم القيامة بالشفاعة للآخرين ، فقالوا له : يا ابن الرسول ! ، كيف تحتاج الشفاعة ، وجدك الشفيع لكل الخلق ؟ فأجاب : إن أعمالى تجعلني أخجل من أن انظر إلى جدى يوم القيامة ، وإن رؤية الشخص لأخطائه من صفات الكمال ، وهي صفة يتميز بها من يصلون إلى الجنات العلى سواء كانوا أنبياء أم أولياء أم رسل .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : آية 112 .
( 2 ) سورة النور : آية 31 .
( 3 ) سورة النجم : آية 10 .