وكان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم ، فلما شاهدوا طريقة الأشعري أطرقوا وخضعوا ، فأحجزهم حجز الضباب وكان حقّا على اللّه نصر المؤمنين .
ثم إنّ أبا الحسن الأشعري لما ترك مذهب الاعتزال ، وأظهر طريقة أهل السّنّة والجماعة تناظر يوما مع « الجبائي » « 1 » وقال له :
ما تقول في ثلاثة أخوة : مات أحدهم ، كبيرا مطيعا ، منقادا للأوامر ، والآخر :
كبيرا عاصيا غير منقاد لها .
والثالث : صغيرا لم يبلغ الحلم .
فقال الجبّائي :
أمّا الطائع : ففي الجنّة والدرجات .
وأمّا العاصي : ففي النار والدركات .
بناءا على أن ثواب المطيع ، وعقاب العاصي واجبان على اللّه تعالى عندهم .
وأمّا الصغير : ففي الجنة .
فقال له الأشعري : أيساوي الطائع فيها ؟ أي : في الدرجات .
فقال الجبّائي : لا ، لأن الطائع عمل الصالحات ، واكتسب الخيرات .
فقال الأشعري : فيقول الصغير : يا رب كان الأصلح لي أن تبقيني حتى أبلغ ، وأعمل ؛ فأساوي أخي .
قال الجبّائي له : يقول الربّ له : علمت أنك لو كبرت كفرت فدخلت النار ، فكان الأصلح لك أن أميتك صغيرا .
قال الأشعري : فيقول العاصي ؛ بل سائر أهل النار .
بل كان الأصلح لي يا رب أن تميتني صغيرا . فماذا يقول الرب .
هامش
( 1 ) الجبائي : هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمزة بن أبان الجبائي البصري المعتزلي ( أبو علي ) ، متكلم ومفسر ولد بجبا بخوزستان وإليه تنسب الطائفة الجبائية ، وتوفي بالبصرة ودفن بجبا ، من آثاره : تفسير القرآن . ( معجم المؤلفين 10 / 269 ) .