حتى يكون له . بل لا يكون له حتى يكون لهم . فهم الذين اصطفاهم اللّه لنفسه بنفسه ، واجتباهم للعباد والبلاد . فكان هو أنيسهم وجليسهم ومحدّثهم ونعيم قلوبهم وقرة أعينهم . فصارت أجسامهم مع الخلق موجودة ، وقلوبهم عن الخلق مفقودة ، وأرواحهم بالملكوت مجوّلة . فهم سرج الخلق ، وبهجة أهل الصدق . فافهموا أعزّكم اللّه بما أعزّ به أوليا [ ء ] ه وأهل طاعته . إن اللّه عزّ وجل اختار هذه الطائفة من بين الخلائق ، واختصهم لنفسه ، وعاتب نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأجلهم فقال اللّه تعالى وتقدس لنبيه وحبيبه : « يا محمد هؤلاء أهل الصفّة لي وأنا لهم وأنا لك وأنت لي فكن مع من لي ولا تكن مع من لست له ولا هو لي » . وقال في قوله تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
« 1 » . وقال :
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ
« 2 » .
وقال :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
« 3 » .
وخاطب اللّه تعالى هذه الطائفة بالإشارات وكلم الناس بالعبارات . فمن يعلم مقامات هذه الطائفة إلّا الأولياء والأصفياء والعارفون باللّه ، هؤلاء المحبّون للّه كما قال ذو النّون المصري قدس اللّه روحه :
« أحبّ اللّه قوما فاستقاموا * على صرف الوداد فما يناموا
سقاهم للصفا بكأس ودّ * فصاحوا في محبته وهاموا »
قلوبهم عرشيّة ، وأبدانهم وحشيّة . شجرة المحبة في قلوبهم مغروسة وإشارتهم بين الخلق جاسوسة . فالسماء سقفهم ، والشمس نارهم ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 52 .
( 2 ) سورة الكهف : جزء من آية 28 .
( 3 ) سورة الكهف : الجزء الأول من آية 28 .