شديدا ثم دخل على الخليفة ، فقال : إن كان هؤلاء القوم زنادقة ، فما على وجه الأرض موحد .
وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ، ومعي شئ من ماء ، وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، ومسحت به وجهه ، فإذا أنا به ، فقلت : أسقيك ؟ فأشار : أي نعم ، فإذا رجل يقول آه ، فأشار ابن عمى : أن انطلق به إليه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت : أسقيك ؟ فسمع به آخر ، فقال : آه فأشار هشام : أن انطلق به إليه ، فجئته فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام فإذا هشام قد مات ، فرجعت إلى ابن عمى فإذا هو قد مات .
وعن عائشة رضى اللّه عنها ، قالت : « ما شبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا ، ولو شئنا لشبعنا ، ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا » ، ونزل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا ، فدخل عليه رجل من الأنصار ، فذهب به إلى أهله فوضع بين يديه الطعام ، وأمر امرأته بإطفاء السّراج ، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل ، حتى أكل الضيف الطعام ، فلما أصبح قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد عجب اللّه عزّ وجلّ من صنيعكم إلى ضيفكم » ، ونزلت :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 1 » .
وروى عن عمر - رضى اللّه عنه - أنه قال : أهدى إلى رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأس شاة ، فقال : إن أخي كان أحوج إليه منى ، فبعث إليه به ، فلم يزل يبعث به الواحد إلى آخر حتى تداولته سبعة أبيات ، حتى رجع إلى الأول ، فنزلت فيهم هذه الآية
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 2 » .
وبات علي بن أبي طالب على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأوحى اللّه تعالى إلى جبريل وميكائيل - عليهما السلام - إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فآثر كلاهما الحياة وأحباها ، فأوحى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبريل عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عليه السلام عند رجليه ، وجبريل يناديه بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهى بك الملائكة ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الحشر : 9 .
( 2 ) سورة الحشر : 9 .
( 3 ) سورة البقرة : 207 .