إذا دخل وقت الصلاة ترد إليه قوته ، فيقوم في المحراب مثل الوتد ، فإذا فرغ من صلاته يرجع إلى حال ضعفه ، لا يقدر أن يقوم من ضعفه .
وكان الجنيد رحمه اللّه لا يترك أوراده من الصلاة على كبر سنه وضعفه ، فقيل له في ذلك ، فقال : حال وصلت بها إلى اللّه عزّ وجلّ في بدايتى ، فكيف أتركها في نهايتى .
وبلغني عن بعضهم أنه كان يصلى في نخل له ، فاشتغل بالنظر إلى النخيل ، وسها في صلاته ، فاستعظم ذلك ، وقال : أصابتنى من مالي فتنة ، فجعل الأرض والنخيل صدقة في سبيل اللّه عزّ وجلّ ، فبلغ ثمنها خمسين ألفا .
وصلى بعضهم ثلاثين سنة لم يعرف من عن يمينه ومن عن شماله لشغله بصلاته .
وكان علي بن أبي طالب - عليه السلام - إذا توضأ تغير لونه ، فقالوا له : نراك يا أمير المؤمنين إذا توضأت اصفر لونك وتغير ، فقال : أتدرون بين يدي من أقف ومن أناجى ؟
وقال ابن أبي الورد : يحتاج المصلّى إلى أربع خلال ؛ إعظام المقام ، وإجلال المقال ، وتمام اليقين ، وجمع الهّمم .
وكان مسلم بن يسار إذا دخل في صلاته قال لأهله : تحدّثوا فإني لست أسمع حديثكم .
وكان يعقوب القارئ يصلى ، إذ أتاه طرار فاختلس رداءه فذهب به إلى أصحابه ، فعرفوا رداءه فقالوا : ردّه إلى الرجل الصالح ، فجاء فوضعه على كتفه واعتذر إليه من صنيعه فقال يعقوب : إني لم أشعر برفعه ولا بوضعه .
وعن رياح القيسي : قال : غدوت إلى رابعة زائرا فلما أردت الانصراف ، قالت : يا رياح ، إني أجد في عيني خشونة ، فنظرت فإذا أنا بقصبة في عينها ، وكانت تصلى على البورياء ولم تشعر بذلك لشغلها بالصلاة ، فو اللّه ما أخرجتها إلا بالمشقة .
ونظر الحسن إلى رجل يدعو ويعبث بالحصى ، ويقول في دعائه : اللهم زوجني الحور العين ، فقال له : بئس الخاطب أنت ، تخطب وأنت تعبث .
وما رؤى مسلم بن يسار ملتفتا في الصلاة قط ، ولقد انهدمت ناحية من نواحي المسجد ، ففزع أهل السوق لهدمها وهدتها ، وهو في المسجد يصلى فلم يلتفت يمينا ولا شمالا .
وقيل لخلف بن أيوب : ألا تذّب الذّباب عنك فإنها تؤذيك ؟ قال : لا أعوذ نفسي شيئا خارج الصلاة إذا دخلت في الصلاة أفسدها على ، قيل له : وكيف تصبر على ذلك ؟ قال :
تهذيب الاسرار في أصول التصوف — صفحة 210
مساهمون: عبد الملك الخركوشي النيسابوري
ص٢١٠