وقال الجنيد : التوكل أن تقبل بالكلية على ربك عزّ وجلّ ، وتعرض عما دونه .
وعن محمّد بن المبارك الصوري ، قال : قال رجل لأعرابية : أين تنزلون ؟ قالت : البادية ، قال : أما تستوحشون ؟ قالت : ثكلتك أمّك ، وهل يستوحش مع اللّه عزّ وجلّ أحد أنس به سبحانه ؟ ! ! قال : فمن أين ترزقون ؟ قال : واللّه ما أعلم اللّه أحدا من أين يرزق عباده ، قال :
على كل حال ما تعلمون ؟ قالت : ثكلتك أمّك ، لو أن أرزاقنا من حيث نعلم لهلكنا ، أو لمتنا جوعا .
وعن محمّد بن كعب القرطبي قال : رأيت أقواما يعيش أحدهم كذا كذا سنة ، لا نعلم له غلة ولا تجارة ، ولا سأل أحدا شيئا ، فقال : من أين يعيش هؤلاء ، ومن أين يأكلون ، فقلت : واللّه لأطلبنها في القرآن ، وكان يقول : ما طلبت شيئا في القرآن إلا وجدته ، قال :
فوجدته :
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
« 1 » ، فقلت : هم واللّه أولياؤه .
وعن إبراهيم الخواص قال : جعت مرة في السفر جوعا شديدا ، فاستقبلني أعرابي فقال :
يا رغيب البطن ، قلت : يا هذا ، فإني لم آكل منذ ثلاثة أيام ، قال : أما علمت أن الدعوى تهتك ستر المدعيين ، فما لك والتوكل .
وعن أحمد بن الحسين الأنصارىّ قال : قلت لأبى سعيد الخرّاز : التوكل في نفسه ما هو ؟
قال : هو اعتماد القلب على اللّه تبارك وتعالى .
وقال أبو عمرو الأنماطي : التوكل النظر إلى الأكوان بعين التسخير .
وعن أبي حمزة أنه قال : إني لأستحى من اللّه عزّ وجلّ أن أدخل البادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعى زادا أتزود به .
وقيل : التوكل غضّ البصر عن الدنيا ، وقطع القلب عنها .
وقال أبو يعقوب النهرجورى : المتوكل في الصحة والحقيقة ؛ من قد رفع مؤنته عن الخلق فلا يشكو ما به ، ولا يذم من منعه ، لأنه يرى المنع والعطاء من اللّه عزّ وجلّ .
وعن عبد اللّه بن محمد الأصطخرى ، عن الكتاني ، قال : جاءني سوسن وكان من عباد اللّه الصالحين باكى العينين ، فقلت له : ما لك ؟ قال : بقيت نحو عشرة أيام جائعا ، فشكوت
هامش
( 1 ) سورة الطلاق : 2 ، 3 .