وعن أبي عثمان في قوله عز وجل :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
« 1 » ، قال :
الصبار الشكور هو الفقير الصابر ، لأن ظاهره ظاهر الصبر ، وهو في الباطن مع الحق على مقام الشكر .
وأنشدونى في الصبر :
غاية الصّبر لذيذ طعمها * وبدىء الصبر مرّ كالصبر
إنّ في الصبر لفصلا بينا * فاحمل النفس عليه واصطبر
ووقف الثوري على شيخ يضرب بالسياط ، وقد ضرب ألف سوط فصبر ، فاستحسن صبره على كبر سنّه ، فدخل عليه الحسن فسأله عن سبب صبره مع كبر سنّه وضعف جسمه ، فقال : يا بنى الهمم تحمل البلاء لا الأجسام ، قال : قلت : فما الصبر عندكم ؟ قال :
الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه .
ويقال : الصبر مخرجه من اليقين ، ومن لا يصحّح يقينه لا يوفق لشئ من الصبر .
وقال بعضهم : الصبر المقام مع البلاء بحسن الصّحبة ، كالمقام مع العافية ، وهذا صبر وما سواه تصبر .
وقال بعضهم : المؤمن يصبر على كل شئ إلا على القطيعة ، قوله عزّ وجلّ :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
« 2 » ، قيل : هو القطيعة .
ويقال : ثلاث من الصبر : لا تحدّث بمصيبتك ، ولا بوجعك ، ولا تزكّى نفسك .
وقال بشر بن الحارث : أفضل ما أعطى العبد المعرفة والصبر .
وقال أبو بكر الورّاق : من أبصر الأمور من السماء تصبر ، ومن أبصرها من الأرض تحير .
وعن إبراهيم الخواص قال : الصبر هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة .
وقال أبو عثمان الحيري : جزاء الصبر ، هو أن يعطى اللّه عزّ وجلّ العبد الرضا ، فمن تحقق بالصبر ولزم طريقة الصابرين ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يثيبه عليه أحسن ثواب عاجلا وآجلا ، قال اللّه تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 5 .
( 2 ) سورة البقرة : 286 .
( 3 ) سورة النحل : 96 .