تابوت ثمانين ذراعا في ثمانين ذراعا ، وكان لا ينتفع به ، فأوحى اللّه تعالى لنبي ذلك الزمان : أن قل لهذا الكذاب : لو جمعت مثله بعد ، لا تنتفع به حتى تعمل بثلاثة أشياء :
أولها « 1 » : [ أ ] لا تحب الدنيا ؛ لأنها ليست بدار المؤمنين .
والثاني : [ أ ] لا تصاحب السلطان ، فإنه ليس برفيق المؤمنين « 2 » .
والثالث : [ أ ] لا تؤذى المؤمنين ، فإنه ليس بحرفة المؤمنين .
وقال أبو هريرة : تقول الحكمة : من طلبنى فلم يجدنى ، فليعمل بأحسن ما يعلم ، وليترك أقبح ما يعلم ، فإذا فعل ذلك فأنا معه ، وإن لم يعلم .
وقال عيسى ، عليه السلام : يا معشر الحوريين ، أنى ينبت الزرع ؟ قالوا : في التراب يا روح اللّه ، قال : بحق أقول لكم : كما لا ينبت الزرع إلا في التراب ، كذلك لا تخرج الحكمة إلا في قلب مثل التراب . فالعجب من ذلك ، كيف تطمع في الحكمة وقد تغلبك اللقمة ، وتأسرك اللحظة ، وتشغلك الخطرة ، وتستعبدك الشهوة ؟ .
وقال ذو النون المصري لبعض تلاميذه وهو يوصيه : جالس من تكلمك صفته ، ولا تجالس من يكلمك لسانه ، فقال : ومن ذاك يا أستاذ ؟ قال : هو الحكيم الصادق ، موعظته رؤيته « 3 » ، آدابه [ هي ] فعاله ، قد أغناك مشهده عن مخبره .
وقال كعب : إن الحكمة إذا خرجت من فم الحكيم ، صعدت إلى اللّه ، فصارت له تحت العرش ، ولها دوى كدوى النحل ، تذكر صاحبها عند اللّه وتثنى عليه ، ولبعضهم :
وكيف تحب أن تدعى حكيم * وأنت لكل ما تهوى تجوب
وتضحك دائبا ظهرا لبطن * وتذكر ما جنيت فلا تذوب
وقال بعضهم : لو أن رجلا قعد بين جبلين ، أحدهما ذهب والآخر فضة ، ثم جعل يتصدق من هذا ومن هذا ، ورجل حبيس بالحكمة ينطق ، لكان صاحب الحكمة أعظم أجرا عند اللّه .
هامش
( 1 ) في الأصل : أوله .
( 2 ) في الأصل : ليس هو برفيق .
( 3 ) أي أن رؤيته تقوم مقام وعظه ، أي تحيا القلوب برؤيته ، فكما تظلم القلوب برؤية الأشياء المنفرة تنير برؤية الأشياء الجميلة ، ومن هنا تحيا القلوب برؤية الصالحين الصادقين .