له ذنوب جما ، ومعاصي جلة ، تحملانه على الإياس من فضل اللّه ، والقنوط من رحمته ، فابتدأ بذكرهم كيلا ييأسوا ، فأغلق باب الإياس عنهم ، وأخر ذكر السابق ؛ لأن له طاعات كثيرة ، وأحوالا رفيعة ، تحمله على الإعجاب ، فأغلق باب المعجبين عنهم ، فتوسط بذكر المقتصد كي يتوسط مع اللّه ويعمل فيما بين الخوف والرجاء .
وهذا كما أوحى الشكور إلى صاحب الزبور : يا داود ، بشر المذنبين ، وأنذر الصديقين ؛ لأن الصديق أقرب إلى العجب ، والمذنب أقرب إلى الإياس والقنوط .
وقد فسر [ ت ] هذه الآية بمائة وستين وجها ، ليس هذا موضع ذكرها ، إلا أنى أفسر لك وجها منها .
قال بعض العارفين :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
، قال : الظالم لنفسه من اشتاق إلى الجنان ، والحور الحسان ، والوصائف والغلمان ، كما أوحى خالق البرية صاحب الخطية : يا داود ، من أظلم ممن عبدني لجنة أو لنار ، ترى لو لم أخلق جنة ولا نارا ، ما كنت أهلا أن أطاع ولا أعصى « 1 » .
وقال نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « من اشتاق إلى الجنة ، فسارع إلى الخيرات ، فهذا الظالم الذي زين [ اللّه ] له الجنان فاشتاق إليها ، ووصف له الرب نفسه بالكرم والإحسان ، فلم يشتق إليه ، فكان شوقه شوق مخلوق إلى مخلوق ، فاستوجب لهذا اسم الظالم » .
والمقتصد من إليه الجنة مشتاقة ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الجنة تشتاق إلى أربعة : إلى علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، ومقداد الكندي » .
فعموم المؤمنين من أصحاب اليمين تمنوا رؤية الجنة ، واشتاقوا إليها ، والجنة اشتاقت إلى علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، واشتاق على ، رضى اللّه عنه ، إلى خصوص العلماء الربانيين ، الذين كوشفوا « 2 » بعلم اليقين ، وعمر بهم طريق الصديقين ، فقال من حديث كميل في جملة أوصافهم : أولئك أولياء اللّه من خلقه ،
هامش
( 1 ) أما كونه تعالى أهلا للطاعة ، فمفهوم ، وأما كونه أهلا للمعصية ، فليس المراد استحقاقه تعالى المعصية استحقاق جزاء ، ولكن المعصية تستتبع الرحمة ، والمغفرة ، والانتقام في بعض الحالات ، فيصير المعنى أنه تعالى ما كان أهلا للمغفرة ، والرحمة ، والانتقام من الكافر .
( 2 ) في الأصل : كشفوا .