وقيل للأحنف بن قيس : متى عقلت ؟ قيل : يوم « 1 » ولدت ، قيل : وكيف ؟ قال :
منعت الثدي ، فبكيت ، فلما أعطيت سكت . وقيل لعبد الملك : من العاقل ؟ قال :
الذي لا يقدم على ما يندم [ عليه ] .
وعن كعب قال : لو أن رجلا وافى يوم القيامة بحسنات تزن جبال الدنيا ، لم يعدل ذلك مثقال ذرة إذا كان لا عقل له ، ومن كان عاقلا ، وصل إلى الجنة بمثقال ذرة حسنة ، قيل له : ومن العاقل ؟ قال : الزاهد عن الدنيا ، الراغب في الآخرة .
وحكى عن بعض الأعراب أنه قال : لو صور العقل ، لأظلمت معه الشمس المضيئة « 2 » ، والقمر الدري ، ولو صور الحمق ، لأضاء معه الليل المظلم ، والحندس المدلهم .
وقال عمرو بن العاص : كان لعمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، عقل يمنعه عن أن يخدع ، وورع يمنعه أن يخدع .
وقيل : الحكمة هي الخشية ، ونحو هذا جاء عن الربيع بن أنس في قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، قال : من لم يخشى اللّه فليس بعالم ، ألا ترى أن داود ، عليه السلام ، قال : ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك ، والحكمة « 3 » الإيمان بك ، فما علم من لا يخشك ، وما حكم من لا يؤمن بك .
وقال بعضهم : الخشية هي « 4 » انقباض القلب تحت هيبة الرب ، وذلك لما طالعوا موارد الحق عليهم ، ومطالعة الحق إياهم ، وخشعت الجوارح ، وخشيت القلوب ، فهؤلاء القوم كما وصفهم الحكيم ذو النون إبراهيم المصري :
وإن لربى صفوة من عباده * قلوبهم في بحر خشيته تجرى
وأبدانهم قد سكنت حركاتها * لما في قلوب القوم من مضر السر
تراهم صموتا خاشعين لربهم * وأرواحهم تسرى إلى معدن الفخر
وقال ابن عطاء : الخشية أتم من الخوف ؛ لأن الخوف صفة عموم المؤمنين ،
هامش
( 1 ) في الأصل : يوما .
( 2 ) في الأصل : لا ظلم من الشمس المضئ .
( 3 ) في الأصل : فالحكمة .
( 4 ) في الأصل : هو .