فقال
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
« 1 » والنار من النور وخلقته من تراب والتراب من الظلمة ، والنور أبدا غالب على الظلمة ، ولم يلتفت اللعين إلى أن التراب من الطين ، والطين من الماء والماء حياة كل شئ . والماء يطفئ النار فلذلك احتج بما احتج .
خلق آدم عليه السلام :
وأما أصل معرفة المعرفة ، ومعرفة جوهرها ، فإن اللّه لما أراد أن يخلق آدم جميع وجه آديم الأرض في الموضع الذي أراد أن يتخذ منه البيت ، وهو الكعبة ، ثم رفع تربته منه وعجتها بماء الرحمة ، ثم جعل فيه نور المعرفة كالخميرة ، ثم خمرها ، ووضعه أربعين يوما حتى نشف فيها نور المعرفة ، وامتزج بها ماء الرحمة .
وخرج ما كان في باطنها إلى ظاهرها من النور والبهاء ، ثم فتح خزائن الصور ، فاختار أحسن الصور ، فرفع مثاله وصورته منها ، ثم رفعها فصور منها آدم على أحسن صورة « 2 » ، ثم نفخ فيه من نور الحياة فأحياه بالنور ، وحركه بالنفخ والنور والروح ، وهو روح الحياة ، فإن للروح حياة ، فلم تدب الحياة في جسد آدم ، ولم تكتمل عروقه حتى قذف اللّه فيه المعرفة وهو أصل النور ، الذي كان وضع في آدم ، حيث خمر طينته به فلما التقى نور المعرفة والمعرفة في القلب استبشرا ، وابتهجا ، واقتربا حتى اتصلا ، فلما اتصلا تعارفا ، فلما تعارفا عرفا .
عرف النور المعرفة ، والمعرفة النور ، إذ كانا متصلين في البدء ، وفي مكان
هامش
( 1 ) سورة الأعراف / الآية 12 - سورة ص / الآية 76 .
( 2 ) نقرأ في هذا حديثا أورده الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " خلق اللّه تعالى آدم عليه الصلاة والسلام وطوله ستون ذراعا ، ثم قال له اذهب فسلم على أولئك من الملائكة ، فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك ، فقال السلام عليكم ، فقالوا :
السلام عليكم ورحمة اللّه . فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن "