إذ لا يتصور أن يتعود ذلك ثم يفطم عنه دفعة واحدة ، دون أن يحدث ردّ فعل عنيف قد يتسبب في نفوره من شيخه ودرسه ، وهذا خلاف ما حدث ، مما يدل على أن هذه الطفولة كان فيها نوع من التهيئة النفسية والذهنية لفترة الدرس الجاد فيما بعدها « 1 » .
فقد فتح الحكيم الترمذي عينيه على حلقات العلم والدرس منذ بدأ يعقل ، لأن أباه كان أحد علماء الفقه ورواة الحديث كما يبدو من حديثه عنه ، وقد أخذ أبوه يغرس فيه حب العلم وتحصيل المعارف ، ويحمله على ذلك حملا في وقت مبكر ، حتى امتلأ وقته منذ الصبا الباكر بالإقبال على الدرس وتحصيل العلم ، بفضل تشجيع والده وحثه على الاستزادة منه ، مدفوعا بحرص الأب ومسؤولية المربي حتى أصبح العكوف على الدرس أمرا مألوفا له في سنه الباكر الذي يقطعه أترابه في اللهو واللعب ، وقد كان أبوه أستاذه الأول ، ولعله استغنى بذلك عن التردد على الشيوخ في صباه الأول .
ويفهم مما كتبه الحكيم عن تعليمه في هذه السن المبكرة أن أباه كان يدرس له علم الرأي والآثار ، أو بعبارة أخرى علم الحديث والفقه « 2 » . فقد كان أبوه محدثا ويروي عنه في كتبه جميعها ، وهذا كله يجمله الحكيم الترمذي في عبارة موجزة بقوله : « كان بدو شأني أن اللّه تبارك اسمه قيّض لي شيخي - رحمة اللّه عليه - من لدن بلغت من السمن ثمانيا ، يحملني على تعلم العلم ، ويعلمني ويحدثني عليه ، ويدئب ذلك في المنشط والمكره ، حتى صار ذلك لي عادة وعوضا عن اللعب في وقت صباي ، فجمع لي في حداثتي علم الآثار وعلم الرأي « 3 » .
شيوخه وأساتذته :
لم يحدثنا الحكيم الترمذي عن شيوخ له تعلّم منهم وأخذ عليهم إلا والده الذي أشار إليه في رسالته « بدو شأن الحكيم الترمذي » ، وفي جانب آخر من هذه الرسالة روى الحكيم أنه سافر إلى الحج لما بلغت سنه سبعة وعشرين عاما ، وأنه في طريقه إلى الحج ذهب إلى العراق وأقام بالبصرة والكوفة يأخذ الحديث عن شيوخهما ، ولكنه لم يذكر لنا أسماء هؤلاء الشيوخ ولا مدى تأثره بهم ، وقد ذكرت كتب التراجم وخاصة كتب الرجال أسماء حوالي سبعة عشر من شيوخه الذين تلقى عنهم الحديث
هامش
( 1 ) الحكيم الترمذي ونظريته في الولاية 1 / 44 .
( 2 ) الحكيم الترمذي - دراسة لآثاره ولأفكاره ، الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي ص 15 . ط . دار النهضة العربية .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 15 ، 16 .