كلها كما ظهر الصانع في مصنوعاته إذ كل مصنوع يفتقر إلى صانع بل لا وجود لشئ عندهم في نفسه إذ هو معدوم بإمكان عدمه وصانعه هو الباقي الذي لا يتغيّر ولا يطرأ عليه العدم .
وربما كان الفطن الذكىّ إذا علم أن هذا معدوم ولم يخطر بباله وجوده من حيث أنه موجد وكان أول نظره إلى صانعه ودخل هذا الوجود تحت التبعية لأنه لما نظر إلى صفات الموجود الأول لاحت له القدرة فنظر في صنيع القدرة فوجد منها المصنوع وهذا كان ربما لا يرى شيئا حتى يرى اللّه قبله فالإشارة إلى الأول بقوله تع
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
الآية وإلى الثاني بقوله تع
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فالأول صاحب نظر واستدلال والثاني صاحب مشاهدة واشتغال فقس على هذا بقية الأبيات واجعل الأنموذج دليلا على قوله
« ان اعتذارى إليك منى * * لفرط عيّى وفرط غيّى »
يشير إلى معنى البيت الأول في سير المعرفة والاذعان للربوبية والدخول تحت ذل العبودية يريد : كيف أعتذر إليك من شئ فعلته ومفاتيح الغيب بيدك وهو متصل بمعنى قولنا إنّ المصنوع لا وجود له في نفسه بنفسه بل بغيره وان غيره هو الموجود فكان الإشارة إلى انك أنت الموجود الحقيقي ولا وجود لي وان فعلك هو الجاري علىّ قهرا وجبرا ولا فعل باعتذارى إذ فرط عيّى وغيّى إذن أثبت لنفسي النية وأجعل لها المشيئة وهذا محض الدين واليقين فيترتب عليه انك لست غيرى إذ ليس في الوجود غيرك حتى تثبت له رتبة الغيرية . فانظر إلى أرباب البواطن كيف استخرجوا حقائق الأشياء واستخلصوا دقائقها ومخضوا زبدها ، وأهل الظاهر لهذا منكرون وعن النظر والبحث عن معانيه معرضون وان كان كل منهم على الحق إذ الظاهر هو الحق والباطن هو الحقيقة ولكل حق حقيقة لا يستغنى أحدهما عن الآخر وغلب حكم الظاهر على الباطن لان حكم الظاهر أعمّ إذ هو الغالب على سائر الناس والباطن انما هو من أوصاف الخواصّ فخواصّ الأمة قليل ومراعاة الأعمّ أولى من الأخصّ والخطأ عند الأخصّ نادر ولا غرو ان بدت من بعض الخواصّ زلّة اشتهرت عليه كان فيها فساد العموم الذي يجرى عليه أحكام العموم لتقع المصلحة لذلك وتحت ذلك سرّ لا يفهمه الا أربابه ولنقبض عنان الجنان عن الجريان في بعض تأويل ما أرادوا »