[ 46 ]
ويروى عن إبراهيم بن سمعان أنه قال : رأيت الحلّاج في جامع المنصور وكان في تكّتي ديناران شددتهما لغير طاعة اللّه . فسأل سائل ، فقال الحسين : يا إبراهيم ، تصدّق عليه بما شددت في تكّتك . فتحيّرت ، فقال : لا تتحيّر ، التصدّق بهما خير ممّا نويت . فقلت : يا شيخ هذا من أين ؟ فقال : كلّ قلب تخلّى عن غير اللّه يرى في الغيب مكنونه وفي السرّ مضمونه .
فقلت له : أفدني بكلمة . فقال : من طلب اللّه بين الميم والعين وجده ، ومن طلبه بين الألف والنون في حرف الإضافة فقده ، فإنّه تقدّس عن مشكلات الظنون ، وتعالى عن الخواطر ذوات الفنون . ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ]
إرجع إلى اللّه ، إنّ الغاية اللّه * فلا إله - إذا بالغت - إلّا هو
وإنّه لمع الخلق الذين لهم * في الميم والعين والتّقديس معناه
معناه في شفتي من حلّ منعقدا * عن التّهجّي إلى خلق له فاهوا
فان تشكّ ، فدبّر قول صاحبكم * حتّى يقول - بنفي الشّكّ - هذا هو
فالميم يفتح أعلاه وأسفله * والعين يفتح أقصاه وأدناه
[ 47 ]
وقال أبو نصر بن القاسم البيضاويّ : رأيت رقعة بخطّ الحلّاج عند بعض تلامذته : أمّا بعد ، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو ، الخارج من حدود الأوهام وتصاوير الظنون وتخييل الفكر وتحديد الضمير ، الذي
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 1 » واعلم أنّ المرء قائم على بساط الشريعة ما لم يصل إلى مواقف التوحيد . فإذا وصل إليها سقطت من عينه الشريعة واشتغل باللوائح الطالعة من معدن الصدق . فإذا ترادفت عليه اللوائح ، وتتابعت عليه الطوالع ، صار التوحيد عنده زندقة . والشريعة عنده هوسا ، فبقي بلا عين ولا أثر . إن استعمل الشريعة استعملها رسما وإن نطق بالتوحيد نطق به غلبة وقهرا .
هامش
( 1 ) الشورى : 11 .