الرمز إليه والإشارة دون الإفصاح والكناية دون الإيضاح ، ثم وثب وصفّق بيديه ، وأنشد يقول :
ربّ ورقاء هتوف في الضحى * ذات شجو صرخت في فنني
فبكائي ربما أرّقها * وبكاءها ربّما أرّقني
ولقد تشكو فما أفهمها * ولقد أشكو فما تفهمني
غير أنّى بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني
فقام جميع من حضر لقيامه ساعة من الليل « 1 » .
قال الجنيد : ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها . قيل له : وما هي ؟ قال : مررت بدرب القراطيس فوجدت جارية تغني من دار ، فأنصتّ لها ، فسمعتها تقول :
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين لولا الهجر لم يطب الحبّ
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى * تقولي بنيران الهوى شرف القلب
وإن قلت ما أذنبت ؟ قلت مجيبة * حياتك ذنب لا يقاس به ذنب
فصعقت وصحت ، فبينا أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج ، فقال : ما هذا يا سيدي ؟ فقلت له : مما سمعت . فقال : أشهدك أنها هبة منّي لك . فقلت : قد قبلتها ، وهي حرة لوجه اللّه تعالى ، ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط ، فولدت له ولدا نبيلا ، ونشأ أحسن نشوء ، وحجّ على قدميه ثلاثين حجة على الواحدة « 2 » .
سئل الجنيد : ما بال أصحابك إذا سمعوا القرآن لا يتواجدون ولا يتحركون ، بخلاف ما إذا سمعوا الرباعيات ؟ فقال : لأن القرآن كله أحكام ومواعظ ، كلّفوا بالعمل بها ، ومن كلّف بشيء لا يطرب به ، ولا كذلك الرباعيات ؛ فإنها كلام جنسهم ، ومما عملته أيديهم ، بخلاف القرآن ؛ فإنه حقّ صدر عن حقّ ، فلا مجانسة بينها وبينه « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 656 ) .
( 2 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 110 ) بتحقيقنا ، والبداية والنهاية لابن كثير ( 11 / 115 ) ، والوافي بالوفيات ( ص 1556 ) ، وشذرات الذهب لابن العماد ( 2 / 229 ) .
( 3 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 574 ) .