وقال الهجويري : إنه كان للجنيد مريد كان يضطرب كثيرا في السماع ، وكان ينشغل به الدراويش ، فشكوه إلى الشيخ رضي اللّه عنه ، فقال له : إذا اضطربت بعد هذا في السماع فلا أصحبك أنا أيضا « 1 » .
سمع الجنيد مغنيّا يغني « 2 » :
منازل كنت تهواها وتألفها * أيام أنت على الأيام منصور
فبكى رضي اللّه عنه ، وقال : ما أطيب منازل الألفة والمؤانسة ، وما أوحش مقامات المخالفة والوحشة ! لا أزال أحنّ إلى بدو إرادتي ، وجدة سعيي ، وركوبي الأهوال ، وجعل يقول :
خليلي هل للشام عين حزينة * تبكي على نجد فإني أعينها
وأسلمها الواشون إلا حمامة * مطوقة ورقاء ابن قرينها
يقول الجنيد : دخلت يوما على السريّ فوجدت عنده رجلا مغشيّا عليه ، فقلت له :
ما له ؟ فقال : سمع آية من كتاب اللّه تعالى . فقلت له : يقرأ عليه الآية مرة أخرى . فقرئت ، فأفاق الرجل . فقال السري ، من أين علمت هذا ؟ فقلت له : إن قميص يوسف عليه السلام ذهب بسببه عينا يعقوب عليه السلام ثم عاد بصره به . فاستحسن ذلك منّي « 3 » .
ويقول الجنيد : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء ، وإلا فتركه أولى : الإخوان ، والزمان ، والمكان « 4 » .
سمعت أبا بكر بن ممشاد يقول : سمعت الجنيد يقول : السماع فتنة لمن طلبه ، ترويح لمن صادفه « 5 » .
عن أبي القاسم الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قيل له : كنت تسمع هذه القصائد وتحضر مع أصحابك في أوقات السماع ، وكنت تتحرك ، والآن فأنت هكذا ساكن الصفة ، فقرأ
هامش
( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 656 ) .
( 2 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 147 ) ، ونشر المحاسن له ( ص 213 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 651 ) ، واللمع ( ص 354 ) ، والإحياء ( 2 / 297 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 2 / 645 ) ، واللمع ( ص 246 ) ، والإحياء ( 2 / 301 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 644 ) .