لطفا ، تدلهم الأشياء أن لها صانعا ، وهذه معرفة عامة المؤمنين ، والأولى معرفة الخواص ، وكلّ لم يعرفه في الحقيقة إلا به « 1 » .
قال الجنيد رحمه اللّه : أول ما يحتاج إليه المريد الصادق معرفة الخالق ؛ ليذل لدعوته ، ويعترف بوجوب طاعته ؛ لأن من لم يعرف صفة مالكه لم يعترف بوجود خالقه « 2 » .
قال أبو القاسم الجنيد : سألت عن المعرفة وأسبابها ، فالمعرفة من الخاصة والعامة هي معرفة واحدة ؛ لأن المعروف بها واحد ، ولكن لها أول وأعلى .
فالخاصة في أعلاها ، وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية ؛ إذ لا غاية للمعروف عند العارفين ، وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة ، ولا تحيط به العقول ، ولا تتوهمه الأذهان ، ولا تكيّفه الرؤية ؟ وأعلم خلقه به أشدهم إقرارا بالعجز عن إدراك عظمته ، أو تكشف ذاته لمعرفته بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله ؛ إذ هو القديم وما سواه محدث ، وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ ، وإذ هو الإله وما سواه مألوه ، وإذ هو القوي من غير مقوّ ، وكل قويّ فبقوته قوي ، وإذ هو العالم من غير معلم ، ولا فائدة استفادها من غيره ، وكل عالم فبعلمه علم ، سبحانه الأول بغير بداية ، والباقي إلى غير نهاية ! ولا يستحق هذا الوصف غيره ، ولا يليق بسواه ، فأهل الخاصة من أوليائه في أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية .
والعامة من المؤمنين في أولها ، ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها ، وعلى أدناها .
فالشاهد على أدناها الإقرار بتوحيد اللّه ، وخلع الأنداد من دونه ، والتصديق به ، وبكتابه ، وفرضه فيه ونهيه ، والشاهد على أعلاها ، القيام فيه بحقه ، واتقاؤه في كل وقت ، وإيثاره في جميع خلقه ، واتباع معالي الأخلاق ، واجتناب ما لا يقرب منه .
فالمعرفة التي فضلت الخاصة على العامة هي عظيم المعرفة في قلوبهم بعظيم القدر والإجلال ، والقدرة النافذة ، والعلم المحيط ، والجود والكرم والآلاء ، فعظم في قلوبهم قدره وقدر جلالته وهيبته ، ونفاذ قدرته ، وأليم عذابه ، وشدة بطشه ، وجزيل ثوابه وكرمه ،
هامش
( 1 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 79 ) .
( 2 ) انظر : المنهاج الواضح في كرامات أبي محمد صالح ( ص 66 ) بتحقيقنا .