على النوري ، وقال له : يا عليّ ، أعجبني حالك ، واللّه شهيد أني أحبك ، ولكن أسألك سؤال رجل مسترشد ، فأرشدني يرحمك اللّه . فقال : سل عمّا بدا لك ، فإن كان عندي جواب أخبرتك ، وإلا قلت لك : لا علم لي ، ولا يعظم ذلك عليّ . ثم سأله عن مسائل عديدة قد تقدّم بعضها عند قوله : يا عجبا ! كيف يظهر الوجود في العدم ، فراجعها إن شئت ، وتركت الباقي ؛ لكثرة التصحيف في النسخة التي وقعت بأيدينا ، واللّه تعالى أعلم ، فهذه محنة الصوفية التي وقعت في زمن الجنيد ، وهذه سنة اللّه في أوليائه وأنبيائه هم أشد الناس بلاء « 1 » .
باب الصبر
سئل الجنيد عن الصبر ؟ فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبيس « 2 » .
قال أبو عبد اللّه المكانسي : كنت عند الجنيد ، فأتت امرأة إليه ، وقالت : ادع اللّه أن يردّ عليّ ابني ، فإن ابنا لي ضاع . فقال لها : اذهبي ، واصبري . فمضت ، ثم عادت فقالت له مثل ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبي ، واصبري . فمضت ، ثم عادت ، ففعلت مثل ذلك مرات ، والجنيد يقول لها : اصبري .
فقالت له : عيل صبري ، ولم يبق لي طاقة عليه ، فادع لي . فقال لها الجنيد : إن كان الأمر كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك ، فمضت فوجدته ، ثم عادت تشكر له ، فقيل للجنيد : بم عرفت ذلك ؟ فقال :
قال اللّه تعالى :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] « 3 » .
وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : كل شيء يقدر الفقير أن يعمله إلا صبره على وقته إلى انقضاء مدته « 4 » .
سئل الجنيد عن الصبر ؟ فقال : حمل المؤمن للّه تعالى حتى تنقضي أوقات المكروه « 5 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : السير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ، وهجران الخلق في جنب اللّه تعالى شديد ، والسير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد ، والصبر مع اللّه أشدّ « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر : إيقاظ الهمم شرح الحكم ( ص 88 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 398 ) ، ونشر المحاسن لليافعي ( ص 155 ) ، والكواكب ( 1 / 581 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 526 ) ، وروضة الحبور ( ص 110 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 232 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 76 ) .
( 6 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 78 ) ، وعدة الصابرين لابن قيم ( ص 38 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 264 ) ، والرسالة للقشيري ( 1 / 397 ) .