النفس ومخالفتها
يقول الجنيد : النفس الأمارة بالسوء هي الداعية إلى المهالك ، المعينة للأعداء ، المتبعة للهوى ، المتهمة بأصناف الأسواء « 1 » .
قال الجنيد : أرقت ليلة ، فقمت إلى وردي ، فلم أجد ما كنت أجده من الحلاوة والتلذذ بمناجاتي ، فتحيرت ، فأردت أن أنام ، فلم أقدر ، فقعدت ، فلم أطق القعود ، ففتحت الباب ، وخرجت ، فإذا رجل ملتفّ في عباءة ، مطروح في المقابر على الطريق ، مغطى الرأس ، فلما أحسّ بي رفع رأسه ، وقال : يا أبا القاسم ، إليّ الساعة . فقلت : يا سيدي من غير موعد ؟ فقال : بلى ، قد سألت محرك القلوب أن يحرك إليّ قلبك . فقلت : فقد فعل ذلك ، فما حاجتك ؟ فقال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها . فأقبل على نفسه ، وقال : اسمعي ، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات ، فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ، فقد سمعت ، وانصرف عني ، ولم أعرفه ، ولم أقف عليه بعد « 2 » .
يقول الجنيد : لا تسكن إلى نفسك ، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربّك « 3 » .
قال الجنيد : من أعان نفسه على هواها فقد أشرك في قتل نفسه ؛ لأن العبودية ملازمة الأدب ، والطغيان منافي للأدب « 4 » .
روي عن جعفر الخلدي قدّس اللّه سرّه أنه قال : كان الجنيد قدّس اللّه سرّه يوصي الرجل ، ويقول : قدّم نفسك وأخّر عزمك ، ولا تقدّم عزمك وتؤخّر نفسك ، فيكون فيها إبطاء كثير « 5 » .
هامش
- اللّه سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد .
وانظر : الفوائد ( ص 59 ) .
( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 269 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 350 ) ، والحلية ( 10 / 274 ) ، والزهد الكبير للبيهقي ( 2 / 152 ) ، والاعتقاد وذم الخلاف لأبي العلاء الحسن بن العطار ( ص 65 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 262 ) ، وروضة المحبين ( ص 404 ) ، وروضة الحبور ( ص 115 ) .
( 3 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 431 ) .
( 4 ) انظر : عوارف المعارف ( ص 166 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 1 / 350 ) .