وقال الجنيد : الظالم لنفسه هو على وجهين : أحدهما يظلم نفسه فيحرمها حظها من الدنيا ، وظالم لنفسه يحرمها حظها من الآخرة ، والظالم لنفسه الذي حرمها حظّها من الشهوات والإرادات من حظوظ النفس ، وظالم لنفسه بأن أحرمها شهوة الآخرة حتى لا تطلب الجنة والثواب لأجل نفسه ؛ فإن كلاهما من حظوظ النفس ، بل طلب ربه على غير حظّ النفس فيه ، فهذا الظالم على هذا المعنى مقدم على المقتصد والسابق ؛ فإن المقتصد والسابق طالبان حظوظهما واقعان مع أنفسهما ؛ إذ ذا واقف مع سبقه وذا واقف مع اقتصاده ، وذا ظلم نفسه ، فآتاها ومنعها حظوظها ؛ فهو فان عن حظوظه ؛ فلذلك يسبق السابقين « 1 » .
وقال الجنيد : بلغني عن بعض العلماء ببسطام أنه قال : كانت لأبي يزيد خادمة كثيرة الاجتهاد والبكاء لا تنام الليل « 2 » .
قال الجنيد : ما طلب أحد شيئا بجدّ وصدق إلا ناله ، فإن لم ينله كله نال بعضه « 3 » .
قال بعد ذكر عبادات يطول إيرادها : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : السابق :
العلماء ، والمقتصد : المتعلمون ، والظالم : الجهّال .
وقال أيضا : السابق : الذي اشتغل بمعاده ، والمقتصد : الذي اشتغل بمعاده ومعاشه ، والظالم : الذي اشتغل بمعاشه عن معاده « 4 » .
قال الجنيد في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] :
والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص ، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا ، فمن نصر عليها نصر على عدوه ، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : العرائس القدسية لسيدي مصطفى البكري ( ص 55 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 30 ) بتحقيقنا .
( 3 ) قال الخطيب معقبا : فينبغي للطالب أن يخلص في الطلب نيته ويجدد للصبر عليه عزيمته ، فإذا فعل ذلك كان جديرا أن ينال منه بغيته . وانظر : الجامع لأخلاق الراوي والسامع ( 2 / 179 ) .
( 4 ) انظر : العرائس القدسية لسيدي مصطفى البكري ( ص 55 ) بتحقيقنا .
( 5 ) فائدة : قال ابن قيم : علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الأربعة في اللّه هداه -