وقال الجنيد : اللسان ظاهر ، وهو من الملك ، فهو خزانة العلم الظاهر ، والقلب خزانة الملكوت ، وهو خزانة العلم الباطن ، فقد سار فضل العلم الباطن على الظاهر كفضل الملكوت على الملك ، ونعني بالملك الباطن الخفي ، وكفضل القلب على اللسان الجلي وهو الظاهر « 1 » .
وسئل الجنيد عمّن أخذت هذا العلم ؟ فقال : أمّا في أول أمري فعن خالي سريّ السقطيّ ، ثم عن أدبي مع اللّه سبحانه وتعالى ثلاثين سنة تحت هذه الدرجة .
فأعلم السائل أولا بنسبة الوراثة ثم ثانيا بما أورثته صحتها من الأدب الموجب للذوق والوجدان ؛ لأن علم أهل التحقيق يؤخذ وراثة وإلقاء ، وتعلما وذوقا ووجدا « 2 » .
قال الجنيد : العلم مأمور باستعماله ، فإذا لم تستعمله حالا أهلكك مآلا « 3 » .
وقال : في الدنيا طغيانان : طغيان العلم ، وطغيان المال ، فالمنجي من طغيان العلم العمل ، ومن طغيان المال الزهد « 4 » .
قال الجنيد : المعلوم تابع للعلم « 5 » .
وكان إذا سأله سائل عن مسألة يجيبه ، ثم يسأله آخر عنها ، فيجيبه بجواب آخر ، ويقول : على قدر السائل يكون الجواب « 6 » .
علم الشريعة
حكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : اتفق أهل العلم على أن أصولهم خمس خلال :
صيام النهار ، وقيام الليل ، وإخلاص العمل ، والإشراف على الأعمال بطول الرعاية ، والتوكّل على اللّه في كل حال « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر : روح المعاني ( 30 / 206 ) .
( 2 ) انظر : روضة الحبور ( ص 109 ) ، بتحقيقنا ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) .
( 3 ) انظر : فيض القدير ( 1 / 405 ) .
( 4 ) انظر : فيض القدير ( 1 / 405 ) .
( 5 ) قال الشيخ الكتاني : وفي الأول المعلوم تابع للعلم الإلهي الأزلي الذي هو مظهر تلك الشؤون ، وحينئذ فلا منافاة بين قول الشيخ الأكبر : ( العلم تابع للمعلوم ) وبين قول الجنيد وغيره : ( المعلوم تابع للعلم ) ؛ فافهم ، واللّه أعلم . وانظر : جلاء القلوب ( 1 / 340 ) .
( 6 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 7 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 288 ) .