القرب والبعد
قال الجنيد : إن اللّه تعالى يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه ، فانظر ماذا يقرب من قلبك « 1 » .
سئل الجنيد عن قرب اللّه تعالى ؟ فقال : بعيد بلا افتراق ، قريب بلا التزاق « 2 » .
وقال رجل للجنيد : علّمني شيئا يقرّبني إلى اللّه وإلى الناس . فقال : أمّا الذي يقرّبك إلى اللّه فمسألته ، وأما الثاني فترك مسألتهم « 3 » .
زار الجريري الجنيد ، فوجده ، فأطال ، فلامه ، فقال الجنيد : طريق عرفنا بها ربنا لا نقتصر على بعضها ؛ فالنفس ما حملتها تتحمل ، والصلاة صلة ، والسجود قربة ، ومن ترك طريق القرب أوشك أن يسلك طريق البعد « 4 » .
قال تعالى :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الأنعام : 87 ] قال الجنيد قدّس سرّه : أي أخلصناهم وآويناهم لحضرتنا ، ودللناهم للاكتفاء بنا عمّا سوانا .
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ الأنعام : 88 ] ، وهم أهل السابقة الذين سألوه سبحانه الهداية بلسان الاستعداد الأزلي ، ولو أشركوا بالميل إلى السوى وهو شرك الكاملين « 5 » .
الحجاب
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حجاب قلوب الخاصة المختصة برؤية النعم ، والتلذذ بالعطاء ، والسكون إلى الكرامات « 6 » .
قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : اللّهمّ مهما عذّبتني بشيء فلا تعذبني بذلّ الحجاب « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 85 ) .
( 2 ) انظر : طبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 267 ) ، والكبرى للشعراني ( 1 / 85 ) .
( 3 ) انظر : طبقات ابن الملقن ( ص 128 ) .
( 4 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 579 ) .
( 5 ) انظر : روح المعاني ( 7 / 256 ) وهذا من باب الإشارة في الآيات .
( 6 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 400 ) .
( 7 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 67 ) ، وروضة الحبور ( ص 126 ) . -