في قوله تعالى :
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حسن العمل اتخاذ ذلك وعدم الاشتغال به « 1 » .
قال الجنيد : إن إبليس لم ينل مشاهدته في طاعته ، وآدم لم يفقد مشاهدته في معصيته « 2 » .
قيل لأبي القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه : إن أبا يزيد يسرف في الكلام . قال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شاني » .
فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه ؛ لذهوله في الحق عن رؤيته إيّاه ، فلم يشهد إلا الحق تعالى ، فنعته ، فنطق به ، ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنّا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ، ولم يكن من شهوده إيّاه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا « 3 » !
قيل للجنيد : هل عاينت أو شاهدت ؟ قال : لو عاينت تزندقت ، ولو شاهدت تحيّرت ، ولكن حيرة في تيه ، وتيه في حيرة « 4 » .
دخل إبليس على الجنيد في صورة نقيب ، وقال : أريد أن أخدمك بلا أجرة . فقال له الجنيد : افعل . فأقام يخدمه عشر سنين ، فلم يجد قلبه غافلا عن ربّه لحظة واحدة ، فطلب الانصراف ، وقال له : أنا إبليس . فقال : عرفتك من أوّل ما دخلت ، وإنما استخدمتك
هامش
( 1 ) قال الآلوسي : فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجلّ .
وقال ابن عطاء : حسن العمل الاعتراض عن الكل .
وقال بعضهم : أهل المعرفة باللّه تعالى والمحبة له هم زينة الأرض ، وحسن العمل النظر إليهم بالحرمة .
وانظر : روح المعاني ( 15 / 258 ) .
( 2 ) انظر : التعرف ( ص 156 ) .
( 3 ) انظر : روضة الحبور ( 79 ) ، بتحقيقنا .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 274 ) .