اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
[ النور : 55 ] .
وقال عزّ وجلّ :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 5 ، 6 ] .
وقال عزّ وجلّ :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ السجدة : 24 ] ، أي : عن الدنيا .
وإنما أردنا أن نثبت المجاهدة للنفوس ، وبذل الجهد في الصدق .
ثم إن المعونة من اللّه : تأتي من بعد ذلك ، والحجة في ذلك : قائمة في السنن .
قال ابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، في تفسير سورة « طه » قال : معنى « طه » : يا رجل ، بلسان الحبشية :
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى 2
[ طه : 2 ] قال : لتعنى به .
أفلا ترى : أنه حين قام ، صلّى اللّه عليه وسلم ، للّه ، عزّ وجلّ ، شكرا ، حتى تورمت قدماه شكرا للّه تعالى ، فأمره بالهدوء ؟
وقد روي : « أنّ النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، كان يتعبد في جبل حراء « 1 » الشهر وأكثر » .
وكذلك يروى : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : كان يحرس ويحفظ من عدوه ، حتى نزلت هذه الآية :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
« 2 » [ المائدة : 67 ] فنحى الحرس تصديقا لقول اللّه ، عزّ وجلّ ، حين ذكره له : أن يعصمه ، فأيقن وسكن ، صلّى اللّه عليه وسلم .
وكذلك المؤمنون : يأتيهم اليقين بعد الضعف ، وكذلك النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم : كان يخرج إلى الغار بالجبل الذي يقال له : ثور « 3 » ويختبئ هو وأبو بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، ثم يخرجان إلى المدينة هاربين في السر .
وهذا : إنما كان وقت البلوى من اللّه تعالى ، له ؛ إذ كان ، عليه السلام ، في مقام الصبر والمجاهدة ، ثم من بعد ما صار إلى المدينة ، عليه السلام ، تغزوه قريش يوم وقعة أحد ، فتقتل أصحابه ، وتكسر رباعيته عليه السلام ، ويدمى وجهه .
هامش
( 1 ) حراء : جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال ، وهو معروف ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يأتيه الوحي يتعبد في غار من هذا الجبل ، وفيه أتاه جبرائيل عليه السلام . ( معجم البلدان 2 / 233 ) .
( 2 ) أخرجه ابن سعد في ( الطبقات الكبرى 1 / 1 / 113 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 102 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 2 / 298 ) ، وابن كثير في ( التفسير 3 / 144 ) .
( 3 ) ثور : اسم جبل بمكة فيه الغار الذي اختفى فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( معجم البلدان 2 / 86 ) .