ركوب طريق الصدق ، وعزم على بذل المجهود ، وصبر للّه تعالى ، وكابد نفسه ، واستعان باللّه تعالى : فنظر اللّه تعالى ، إليه راغبا فيما لديه ، حريصا على أن يرضيه ، وعاد عليه عند ذلك بلطفه وعونه ، فسهل عليه العسير : مما استصعب من نفسه ، وأبدله بالمرارة حلاوة ، وبالثقل خفة ، وبالخشونة لينا ودعة ، فسهل عليه قيام الليل ، وصارت المناجاة للّه تعالى ، والخلوة بخدمته له : نعيما بعد شدة المكابدة ، وصار الصيام ، والظمأ في الهواجر « 1 » : خفيفا عليه ، حين ذاق عذوبة ما رجا من روح اللّه تعالى ، وحسن عاقبته .
وكذلك : تبدلت وسهلت : الأخلاق ، والأحوال ، عليه ، حين قام له من كل مقام عاناه وكابده للّه تعالى ، التماس رضاه عوض مكانه من الخير ، فتغيرت عند ذلك أخلاقه ، وانتقل طبعه ، وهدأت نفسه ، وانتعش عقله ، وسكنه نور الحق فألفه ، ونفر عنه الهوى وطفئت ظلمته ، فصار ، عند ذلك الصدق وأخلاقه : طبعا له ، لا يحسن غيره ، ولا يألف إلا إياه ، ولا يسكن إلى غيره ، واكتنفته « 2 » العصمة من ربه .
فضعف عند ذلك كيد عدوه ، وصار مغلوبا ، حين ماتت دواعيه : من الباطل ، وكلّ « 3 » سلاحه ، بموت الهوى وانقياد النفس ، حين تخلقت بأخلاق المرحومين .
قال اللّه ، جلّ ذكره ، حين أخبر عن يوسف ، عليه السلام :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
[ يوسف : 53 ] .
فأنفس الأنبياء والصديقين ، عليهم السلام : مرحومة ، وكذلك كل مؤمن على حسب قوة إيمانه ، فسقطت ، عند ذلك ، عن العبد ، معاناة الصدق ، وثقل العمل به ، فصار عاملا بالصدق الذي ذكرناه ، وأكثر بأضعاف كثيرة بلا مؤنة ، بل صار ذلك نعيما وغذاء ، إن تركه توحش من تركه وتفزع من فقده ، فصار الصدق وأخلاقه : صفة له ، لا يحسن غيرها ، حتى كأنه لم يزل كذلك .
ومصداق ذلك في الكتاب والسنة : موجود .
قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ 69
[ العنكبوت : 69 ] .
وقال ، عزّ وجلّ :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
هامش
( 1 ) الهواجر : ( ج ) الهاجرة : نصف النهار عند اشتداد الحر .
( 2 ) اكتنف القوم الشيء : أحاطوا به .
( 3 ) كلّ السيف ونحوه : لم يقطع . فهو كليل .