ألم تسمع لقول اللّه ، عزّ وجلّ :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] .
ويقال في الحديث : « فيعطون ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 » .
وهكذا : كل قوم على أقدارهم .
ومنهم : من لا تنقضي كرامته : من ثواب اللّه تعالى ، ومن النعيم في الجنان ، ومنهم من لا تنقضي كرامته من اللّه تعالى ، والزيادة : من بره والنظر إليه .
وقد صح الخبر عن النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إن أدنى أهل الجنة منزلة : من ينظر في ملكه ألفي عام يرى أقصاه كما يرى أدناه » « 2 » .
ومنهم : من ينظر إلى وجه اللّه ، جلّ وعزّ ، كل يوم مرتين .
ومحال أن يكون هؤلاء سواء ، أو كان علمهم في الدنيا سواء .
قال جلّ ذكره :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
[ الإسراء : 55 ] .
فلم يقع التفضل على الخلق إلا بفضل علمهم باللّه تعالى والمعرفة به ، ثم على قدر هذا الأنس : تفاوتوا في الدنيا والآخرة .
وباللّه التوفيق .
قلت : فهل يصير العبد إلى حال يفقد مطالبة الصدق من نفسه ، ويسقطه عنه مؤنة الأعمال ، وأثقال الإخلاص ، ومؤنة الصبر ، ويكون عاملا بالصدق : فأخذ مما ذكرت وأكثر بلا اشتغال ولا تعب ؟
قال : نعم ، ألم تسمع الحديث الذي يروى : « إن الجنة حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات » « 3 » .
ويروى في خبر آخر : « إن الحق : ثقبل مريء ، وإن الباطل : خفيف وبيء » « 4 » .
والنفس : مجبولة بحب هذه الدار والسكون إليها ، وحب الدعة والراحة فيها .
أما الحق ، واتباعه ، والعمل به ، والصدق ، وأخلاقه : فذلك كله هو : خلاف محبوب النفس .
فإذا عقل العبد عن اللّه تعالى وفهم ما دعاه إليه : من العزوف ، عن هذه الدار الفانية ، والرغبة في الدار الباقية ، حمل عند ذلك نفسه على احتمال المكاره : من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 32 ) ، وابن ماجة ( زهد 39 ) .
( 2 ) أخرجه ابن كثير في ( التفسير 5 / 319 ) .
( 3 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 235 ) .
( 4 ) أخرجه ابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 138 ) .