باب الصدق في الزهد « 1 » ، وكيف هو ؟ وما هو ؟
ولقد فضح اللّه تعالى ، الدنيا ، وسماها بأسماء لم يسمها أحد .
فقال ، تبارك وتعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ . . .
[ الحديد : 20 ] الآية .
أفلا يستحي من يعقل عن اللّه ، تعالى ، أن يراه ساكنا إلى اللّهو ، واللعب ، في دار الغرور .
قلت : الدنيا في نفسها ، ما هي ؟ .
قال : اتفق البصراء من الحكماء على أن الدنيا : هي النفس وما هويت .
والحجة في ذلك : أن اللّه ، عزّ وجلّ ، قال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ آل عمران : 14 ] .
فهذه الأمور التي ذكرها اللّه ، عزّ وجلّ ، هي : من هوى النفس ولذتها ، وبها تلهو عن الآخرة وذكرها .
فإذا ترك العبد ما تهواه النفس ترك الدنيا .
ألا ترى : أن العبد قد يكون فقيرا لا شيء له ، وهو يتمنى الدنيا ، ويهوى مجناها ، وينوي أن لو أمكنه منها ما يريد ، لتمتع بذلك ونال لذته ؟ .
فهو عند اللّه ، تعالى ، من الراغبين على قدر همته ، إلا أنه أقل حسابا ممن نالها واستمتع بها .
فأول درجات الزهد : هو الزهد في اتباع هوى النفس ، فإذا هانت على المرء نفسه : لم يبال على أي حال أمسى وأصبح ، إذا وافق محبة اللّه ، تعالى ، عند ذلك ، على مخالفة نفسه ، ومنعها من محبوبها : من الشهوات واللذات والراحات ، ومقارنة
هامش
( 1 ) انظر حديث القشيري عن الزهد برسالته ص 115 - 119 .