وكذلك روي : « أنه صنع له خاتم ذهب ليختم به الكتب ، إلى من أمره اللّه تعالى بإنذاره ، فلبسه ، ثم طرحه من يده ، وقال لأصحابه : إليه نظرة وإليكم نظرة » « 1 » .
وكذلك روي : « أنه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، غير شراك « 2 » نعله ، فجعل مكانه جديدا فقال : ردوا الشراك الأول » .
وكذلك : كل قلب طاهر صاف ، قد أشرف على الآخرة ، وعرف قيام اللّه ، تعالى ، عليه : يفزع من خفايا السكون إلى الدنيا ، والتحلي بشيء منها .
ومثل هذا في الأخبار كثير ، والعاقل الفطن تكفية الإشارة إليه بالشيء .
وهذا : أصحاب محمد ، صلّى اللّه عليه وسلم ، حين حثهم على الصدقة ، جاء أبو بكر بماله كله ، لأنه كان أقوى القوم ، فقال له النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم : ما خلفت لعيالك ؟ .
قال : « اللّه ورسوله ، ولي عند اللّه مزيد » « 3 » .
أفلا ترى أبا بكر ، رضي اللّه عنه ، إنما كان سكونا إلى اللّه ، تعالى ، لا إلى الشيء ، ولم يكن لشيء عنده قدر ، وكان ما عند اللّه عنده أسرّ ؟ ! .
فحين رأى موضع الحق لم يخلف منه شيئا ، وقال : خلفت اللّه ورسوله .
ثم جاء عمر ، رضي اللّه عنه ، بنصف ماله ، فقال النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم : ما خلفت لعيالك ؟ .
قال : نصف مالي ، وللّه عندي مزيد .
فقد أعطى نصف ماله ، ويقول : وللّه عندي .
ثم عثمان ، رضي اللّه عنه ، يجهز جيش العسرة « 4 » كله بجميع ما يحتاج إليه ، ويحفر بئر « 5 » رومة .
أفلا ترى : أن القوم ، إنما كانوا معدين الشيء للّه تعالى ؟ !
ومما يدل على صدق قولنا : أن القوم كانوا خارجين مما ملكوا وهو في أيديهم ، يعدونه للّه عزّ وجلّ .
وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أنه قال : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، وما خلفناه صدقة » « 6 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل 1 / 322 .
( 2 ) الشّراك : سير النعل على ظهر القدم ( ج ) شرك ، وأشرك .
( 3 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 4 / 115 ) .
( 4 ) جيش العسرة : جيش المسلمين في غزوة تبوك عام 9 ه .
( 5 ) بئر رومة : هي في عقيق المدينة .
( 6 ) أخرجه ابن حجر في ( فتح الباري 12 / 8 ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد 8 / 175 ) ، ( معجم البلدان 1 / 299 ) .