وقالت طائفة من الناس : « الزاهد في الدنيا : هو الراغب في الآخرة ، الذي قد جعلها نصب عينه ، كأنه يرى عقابها وثوابها ، فهو عازف عن الدنيا » .
وهكذا يروى أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، قال لحارثة : « كيف أصبحت يا حارثة » .
قال : مؤمنا حقا يا رسول اللّه .
فقال النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم : « وما حقيقة إيمانك ؟ » .
قال : « عزفت نفسي عن الدنيا ، فأظمأت لذلك نهاري ، وأسهرت ليلي ، وكأني أنظر إلى عرس ربي بارزا ؛ وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتناغمون ، وإلى أهل النار يتعاوون » .
فقال النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم : « مؤمن نور اللّه قلبه ، عرفت فالزم » « 1 » .
وقال بعض العلماء : الزهد : خروج قيمة الأشياء من القلب .
والزهد في الدنيا : يدق جدا ويخفى ، ولكل عبد على قدر علمه باللّه ، تعالى ، زهد :
فمن نفى الرغبة في الدنيا عن قلبه ، شيئا بعد شيء ، يرى غاية الزهد ، ومن توانى عن نفسه ، ولم يخالفها عند هواها : لم يعزف عن الدنيا ، ولم يشرف على الآخرة .
قال بعض العلماء : الزاهد في الدنيا حقا : لا يذم الدنيا ، ولا يمدحها ، ولا يفرح بها إذا أقبلت ، ولا يحزن عليها إذا أدبرت .
قال أبو سعيد ، رحمه اللّه تعالى : قال بعض البدلاء ، رحمهم اللّه تعالى : لا يكون زاهدا مستكمل الزهد ، أو يستوي عنده الحجارة والذهب ، ولا يستوي الحجارة والذهب حتى يكون معه من اللّه ، تعالى ؛ آية ، فتحول الحجارة ذهبا ، فعندها تخرج قيمة الأشياء من قلبه .
وسمعته يقول : لم يستو الحجارة والذهب ، عند أحد من الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، بعد رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا عند أبي بكر رضي اللّه عنه ! .
قلت : فعلى أي معنى زهد الزاهدون ؟ ! .
قال : على معان شتى :
فمنهم : من زهد لفراغ القلب من الشغل ، وجعل همه كله في طاعة اللّه ، تعالى ، وذكره ، وخدمته ، فكفاه اللّه عند ذلك .
فهكذا : روي عن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من جعل الهم هما واحدا كفاه اللّه سائر همومه » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 1 / 57 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 2 / 238 ، 280 ) والعقيلي في ( الضعفاء 4 / 455 ) .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( مقدمة 23 ) ، ( زهد 2 ) .