الباب الثاني عشر التّوكّل
قال شيخنا يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى :
144 - « جماع الأمر كلّه في شيئين : سكون القلب على رزق هذه الناحية ، والاجتهاد في طلب رزق تلك الناحية » [ الحلية : 10 / 53 ]
* رزق الإنسان موزّع بين دارين : الدنيا والآخرة . . ورزقه في الدنيا يحصل به قوام وجوده وزق الآخرة يتم به كمال سعوده . . ورزق الدنيا قد تكفّل اللّه به وضمنه له . قال تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ
[ العنكبوت : 60 ]
وقال :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ الروم : 40 ]
والمطلوب لرزق من العبد الدنيا السّعى مع التوكّل على اللّه ، أي سعى الجوارح وحركتها لتحصيل الرزق ، مع سكون القلب واطمئنانه أنّ رزقه الذي قدّره له ربه سوف يأتيه .
* أما رزق الدار الآخرة فالمطلوب فيه الجدّ والاجتهاد بالقلب والجوارح . قال تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] .
وقال إبراهيم الخواص : « العلم كله في كلمتين : لا تتكلّف ما كفيت ، ولا تضيّع ما استكفيت » . .
وقال ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير : في الآية الكريمة
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ
[ طه : 132 ] أي : قم بخدمتنا ونحن نقوم لك بقسمتنا ، وهما شيئان :
شئ ضمنه اللّه لك فلا تتّهمه ، وشئ طلبه اللّه منك فلا تهمله ، فمن اشتغل بما ضمن له عمّا طلب منه فقد عظم جهله ، انتهى . أليس من الجهل وقلّة العقل أن يهمل أبناؤنا التلاميذ مذاكرة دروسهم وينزلون إلى الشارع للعمل بينما قد وفّروا لهم في البيت كلّ أسباب الحياة والسعادة ؟ ! وكلنا يعيب هذا السلوك ويمارس بعضنا مثله مع ربه ! !
قال أبو علي الدقاق رحمه اللّه : « للمتوكّل ثلاث درجات : التوكّل ثم التسليم ثم التّفويض .
فالمتوكّل يسكن إلى وعده ، يقول تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
[ الطلاق : 3 ]