وصاحب التسليم يكتفى بعلمه ، يقول تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 232 ]
وصاحب التفويض يرضى بحكمه ، يقول تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
[ التين : 8 ] .
* * * 145 - « من يستفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكّل إلى الخلق » [ الحلية :
10 / 63 ] - وعند السّلمىّ « وكل إلى المخلوقين » .
* قد أمر اللّه الناس بالسعي في الدنيا لتحصيل الرزق فقال تعالى :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
[ الملك : 15 ] ، وقال :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
[ الجمعة : 10 ] .
وروى الشيخان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم النهى عن المسألة فقال : « لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا خيرا فيعطيه أو يمنعه » . ومن آداب السّعى للرزق : تحرّى الحلال ، والتوكّل على اللّه ، وعدم الاعتماد على الأسباب ، والدّعاء بالتيسير ، وإخراج حق اللّه منه ، ونية كفاية الأسرة والتوسعة على المحتاجين ، ولا مانع من الزيادة بغير قصد التكاثر والمباهاة . هذه هي مفاتيح الأقدار لمن كان حاله التكسّب .
* أما من كان حاله التجريد كأهل الصّفّة رضى اللّه تعالى عنهم ( وهم جماعة من فقراء المجاهدين سكنوا الصّفة وهي مكان مظلل من المسجد النبوي ، فرغهم اللّه لعبادته ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام إلى طعام دعا بعضهم لمشاركته ، وإذا أمسوا انطلق الرجل بالرجل ، والرجل بالرجلين ، والرجل بالخمسة ، فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين كلّ ليلة . . . ) وأهل التجريد مغلوبون على أمرهم ، لا مال ولا عمل ، قد يسّر اللّه لهم القوت من حيث لا يحتسبون ، كما أنهم لا ينزعجون عند تعذّره ثقة بربهم . . ومن آداب أهل التجريد في أبواب المعاش :
1 - أنه لا يسأل الناس بحاله أو قاله إلا لضرورة .
2 - أن لا يرى العطاء إلا من اللّه ، أما يد أخيه فأداة توصيل فقط ، فقط حرك اللّه قلبه ، وبعث فيه من دواعي الخير والإرفاق ما سهّل عليه البذل والسّخاء ؛ ويجب شكره والدعاء له ، والحمد للّه .
3 - لا يأخذ إلا بقدر حاجته ، فلا يأخذ ليختزن .
4 - عدم استشراف النفس إلى الشئ . . وفي هذا يحكى أن الإمام أحمد رضى اللّه تعالى عنه استعان يوما بأيّوب الحمّال - وكان صالحا - في حمل أشياء اشتراها من السّوق إلى بيته ، وكان أهل البيت يخبزون يومها . فأمر الإمام ابنه أن يعطى أيوب رغيفين ، فرفض أيوب العطيّة ، وبعد أن خرج أرسل الإمام ابنه بالرغيفين خلفه وكان قد ابتعد عن البيت فقبلهما من غير ممانعة . وعاد