الباب الثاني العلم
قال شيخنا يحيى بن معاذ - رحمه الله :
5 - « أيها المريدون طريق الآخرة والصدق ، والطالبون أسباب العبادة والزهد ، اعلموا :
من لم يحسن عقله لم يحسن تعبّد ربّه ، من لم يعرف آفة العمل ، لم يحسن أن يحترز منها ، من لم تصحّ عنايته في طلبه الشئ ، لم ينتفع به إذا وجده ، واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم ، وخطر جسيم ، وأن العلم لم يرد ليعلم ، وإنما أريد ليعلم ويعمل به ؛ لأن الثواب على العمل بالعلم يقع ، لا على العلم ، ألا ترى أن العلم إذا لم يعمل به عاد وبالا وحجّة » [ الحلية : 10 / 55 ] .
* اخترنا باب العلم لكي نصدّر به هذا الكتاب بعد باب النية ؛ لأن العمل المقبول يعتمد على النية والعمل بالعلم ، واخترنا هذه الكلمة لتكون في أوله ؛ لاحتوائها على النية ، وكان السّلف الصالح رحمهم الله يبدءون مصنفاتهم بالحديث المشهور « إنما الأعمال بالنيات » ، كما أنها جامعة في احتياج العمل للعلم .
* من لم يحسن عقله لم يحسن تعبّد ربّه . . فالعقل أداة التفكير والتدبير ، ومن ورائه الحواسّ تمده بالمعارف والمعلومات . . وقد جعلنا الله مسئولين عن كل ذلك ، فقال تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] . . ويتم تحسين العقل بإمداده بالعلوم والمعارف ، وانطلاقه في التفكير والتأمل . . وأشرف أنواع العلوم :
العلم بالله ، ومعرفة الله أول عبادته عز وجل ، وأصل معرفته توحيده القائم على نفى الصفات عنه بالكيف والحيث والأين ، وقد جمعت ذلك الآية الكريمة
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] .
والعلم بالله يتم بوسيلتين :
إحداهما : بالنظر فيما خلق الله من أشياء ، وإعمال العقل فيما يراه ، وعدّ ذلك من جوهر العبادة . . ويقول شاعرهم :
تأمّل سطور الكائنات فإنّها * من الملأ الأعلى إليك رسائل
لقد خطّ فيها لو تأمّلت سطرها * ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل