الباب الأول النية والإرادة
1 - قال شيخنا يحيى بن معاذ الرازي - رحمه الله :
الأبدان في سجن النيات ، والناس ثلاثة : رجل تشاغل بالدنيا عن الله مذموما ، ورجل تشاغل بالآخرة محمودا ، ورجل تشاغل بالله عمّا دونه مقرّبا مرفوعا » .
[ الحلية : 10 : 52 ] .
* النّيّة عمل القلب ، وهي توجهه لفعل شئ بعينه ، ومتى عزم القلب على إمضاء أمر فتلك هي الإرادة ، ويعرّفها الراغب الأصفهاني بأنها في الأصل : قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل ، وجعلت اسما لنزوع النفس إلى الشئ مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل .
* وإرادة العبد لربه - جل وعلا - هي أوّل خطوة على طريق الفرار إلى الله ، تبدأ بالرغبة ، ثم العزيمة ، ثم العلم الضروري فيما يتصل بوحدانية الله وصفاته ، وأنه ليس كمثله شئ ، ثم العلم بما تصح به العبادات والمعاملات ، مما أجمع عليه علماء الأمة في مسائل الفروع ، ويتركهم وخلافهم ، ثم يقوم في كل أمر لله بإرادة نفسه ، حتى يسلمها لتدبيره . . ومن هنا قيل لمن حصر إرادته في مراد واحد - هو محبّة سيده وطاعته - : مريد .
* ومتى خلصت نية المريد ، وصح عمله - تولته يد العناية بالتوفيق الإلهى ، وتحول من كونه مريدا فصار مرادا ؛ قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] . وقال أبو علي الدقاق : « من زيّن ظاهره بالمجاهدة زيّن الله سرائره بالمشاهدة » .
* وهناك مراد آخر ، اجتباه الله ، وأراده له ، قال تعالى :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
[ الشورى : 13 ] . . هذان : المريد والمراد ، الطالب والمطلوب ، تلاقيا واجتمعا على وجهة واحدة في طريق مستقيم ، لا ترى فيه عوجا ولا أمتا ، ورحم الله القائل :
أيّها المبعد عنّا * إنّ إبعادك منّا
لو أردناك جعلنا * كلّ ما فيك يردنا
* الأبدان في سجن النيات ؛ فالنية كالسجان ، والجوارح طوع أمرها تتحرك في اتجاه ما تراه النيات ، ولذا كان على النيات المعتمد في تقدير الجزاء ، يقول الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات ، ولكلّ امرئ ما نوى » .