تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ويقلل ما قلل اللّه ، ويرفض ما أحب اللّه رفضه حتى تصح أحكامه ، وتصدق نظرته في مسائل العلم . هذا علم الرجل في مسألة المال . فهل عمل به في خاصة نفسه ؟ تروي المراجع أن أباه كان ذا مال كثير ، وأنه مات والحارث يومئذ محتاج إلى دانق ، ولكنه أبي أن يأخذ من مال أبيه شيئا وقال : ليس في اختلاف الملة توارث . وكان أبوه واقفيا ولذلك كانت وصاياه حقا من قلب آمن بالحق وعمل به ، لا سيما في أمور المال التي زلت فيها أقدام كثير من كبار العلماء . 3 - كان الرجل عالما ، وكان يعلم سطوة العلم ومداها على العلماء ، وكانت مواهبه تؤهله للتصدر والتعظيم والتبجيل ، وكان خبيرا بأخلاق العلماء حينما يتعرضون لنقد النقاد ، أو حينما يخرج عن رأيتهم صحابتهم . وقد أوضح ذلك في حديثه عن آفات العلم في هذا الكتاب ، فهل جنح المحاسبي عما رسمه للناس من طريق ؟ روى ابن حجر العسقلاني عن أبي القاسم النصراباذي . أن المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره الإمام أحمد بن حنبل . فاختفى ، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر . وفي هذا الحادث دلالة على طول مدة اختفائه ، فلو مات وهو حديث عهد بالاختفاء لاجتمع إليه أصحابه ومريدوه ، أما أن يموت المحاسبي ولا يصلي عليه إلا أربعة نفر . فلا شك حينئذ في طول مدة اختفائه وإبعاده للناس من حوله ، ليجنب نفسه آفة من آفات العلم ، حين يختلف كبيران في الرأي ، فيلجأ المعترض عليه إلى جمع عصابة من حوله تسفه رأي مخالفه ، وتنفر الناس عنه . ولم يرو عنه في كتبه أنه رد على ابن حنبل أو انتقص من قدره ، ولكنه عرض كثيرا بحب العلماء لاجتماع الناس حولهم وتعديل مذهبهم ، وحبهم للثناء ، وربما كان ذلك هو السبب في كراهية أبي زرعة وغيره لهذا الرجل العظيم حيث قال عن كتبه : إنها كتب ضلالات وبدع . وليس فيها من البدع والضلالات شيء . ولكنا دائما نضفي على آراء السلف