ويقرر شريك القاضي أن الرافضة كانوا يضعون الحديث ويتخذونه دينا ( منهاج السنّة 1 / 13 ) . ووضعوا الأحاديث في ذم معاوية ، ووضع أتباع معاوية الأحاديث في مدحه ، ومن وراء أولئك الزنادقة يضعون الحديث تأصيلا لزندقتهم ، فيروون أن اللّه ينزل عشية عرفة يصافح الركبان ، ويعانق المشاة ، وأقر عبد الكريم بن أبي العوجاء بأنه وضع أربعة آلاف حديث يحل فيها الحرام ويحرم الحلال . إلى غير ذلك مما لا يسعه مقامنا هذا .
كان الإمام أحمد زعيم المدرسة السنية التي تكفلت بوضع الضوابط وفحص الأسانيد والمتون لتنقية السنة من هذا الركام المكذوب والخطير على شريعة الإسلام .
وكان المحاسبي زعيم المدرسة التي تكشف العلة التي أصابت النفس المسلمة فحولتها إلى نفسي أمارة لامكان فيها للوم ولا للرضا والطمأنينة وإن كان ظاهرها مطمئنا وراضيا . . . كان الورع في عصره نادرا ، وكانت المعرفة بالأصول الإسلامية عزيزة ، وكان الجهل بعلل النفوس فاشيا ، وقد كشف المحاسبي عن كل ذلك في مقدمة كتابه « الوصايا » فقال :
« قد انتهى البيان إلى أن هذه الأمة تفترق على بضع وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية ، واللّه أعلم بسائرها . فلم أزل برهة من عمري أنظر اختلاف الأمة ، وألتمس المنهاج الواضح ، والسبيل القادر وأستدل على طريق الآخرة بإرشاد العلماء ، وعقلت كثيرا من كلام اللّه عز وجل بتأويل الفقهاء . . . ورأيت اختلافهم بحرا عميقا غرق فيه ناس ، وسلم منه عصابة قليلة . . . ورأيت كل صنف يزعم أن النجاة لمن تبعهم ، وأن المهالك لمن خالفهم .
« ثم رأيت الناس أصنافا ، فمنهم العالم بأمر الآخرة ، لقاؤه عسير ، ووجوده عزيز ، ومنهم الجاهل ، فالبعد منه غنيمة ، ومنهم المتشبه بالعلماء ، مشغوف بدنياه ، مؤثر لها ، ومنهم حامل علم ، منسوب إلى الدين ، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو ، ينال بالدين من عرض الدنيا ، ومنهم حامل علم لا يعلم تأويل ما حمل ، ومنهم متشبه بالنساك ، متحرّ للخير ، لا غناء عنده ، ولا نفاذ
الوصايا — صفحة 29
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٩