فإذا أشكل علينا شيء من أنواع النفل ، فلم ندر أفضل هو أم ليس بفضل ، فانظر في أصول الفرض ، فإن كان له في الفرض أصل فهو فضل ، وإلا فلا .
فقد رغب في صدقة النفل ، وقد فرضها في الزكاة .
ورغب في الصوم وقد فرض رمضان .
ورغب في الجهاد وقد فرض الصلاة .
ورغب في الصلاة بالليل والنهار ، وقد فرض على نبيه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الليل ، وصلاة النهار .
ولم يفرض عليه الجوع ولا العطش .
فالذي ينال جوعا وعطشا بلا صوم فليس بمأجور ومن عطش وجاع صائما فهو مأجور .
واعلم أنّ العبد إذا تم في العلم كان مأجورا ، أو تم في أحواله في متقلبه ومعاشه وفي يقظته ونومه ، وفي مطعمه ومشربه ، فعلم كيف يدع ويترك ويأخذ ، فهو يعبد اللّه بالأخذ والترك ، يأكل الطعام لأنه حلال ، ويدع ما هو أطيب منه لأنه حرام .
فإذا أكل شيئا وترك آخر فلولا تحليله لم يأكله ، ويأتي الهوى ويدع الحرام نعمة من اللّه تعالى على إتيانه الحلال ، وترك الآخر . وإن كان له مال فهذا المأجور على كل حال .
وقد روي عن بعض العلماء عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه رغب في الغشيان وأخبر بما عليه من ثواب ، فقال قائل : يا بني اللّه ، أنأتي لذاتنا ونؤجر عليها ؟ فقال : « أرأيتم لو كنتم في خلافه من الحرام أكنتم تأثمون » ؟ قالوا : نعم ، قال : « إذا كنتم في الحلال تؤجرون » .
واعلم أنه ليس حال من الأحوال إلا واللّه فيها تأديب . فمن ترك أدبه فيها ، فقد عصى ربه إلا نوما أو سهوا أو ذهاب عقل .
فللّه في النفل أدب ، كيف يأخذونه ويتركونه ، فإن فعلوا النفل بتأديبه استوجبوا ثوابه ، وإن تركوا فيه أدبه استوجبوا عقابه .
ولم يفرض اللّه على الناس أن ينتفلوا ، فإن لم ينتفلوا لم يثابوا ، وإن تنفلوا على غير ما نفلوا عطبوا ، ولا يجوز أن يعطبوا ، ولا يركبوا ما فيه عطبهم . ثم يؤجروا ، فليس من أحوال ابن آدم حال إلا وهو فيها آثم أو مأجور للّه عزّ وجل في جميع الأمور .
بخلقه تعبد ، فمنه ما ألزمهم فعله ، فحرم عليهم تركه ، ومنه ما نفلهم فعله ، وأباح لهم تركه ، وفرض عليهم فيما نفلهم كيف يأخذون وكيف يتركون .
المسائل — صفحة 42
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٢