تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
فإذا أشكل علينا شيء من أنواع النفل ، فلم ندر أفضل هو أم ليس بفضل ، فانظر في أصول الفرض ، فإن كان له في الفرض أصل فهو فضل ، وإلا فلا . فقد رغب في صدقة النفل ، وقد فرضها في الزكاة . ورغب في الصوم وقد فرض رمضان . ورغب في الجهاد وقد فرض الصلاة . ورغب في الصلاة بالليل والنهار ، وقد فرض على نبيه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الليل ، وصلاة النهار . ولم يفرض عليه الجوع ولا العطش . فالذي ينال جوعا وعطشا بلا صوم فليس بمأجور ومن عطش وجاع صائما فهو مأجور . واعلم أنّ العبد إذا تم في العلم كان مأجورا ، أو تم في أحواله في متقلبه ومعاشه وفي يقظته ونومه ، وفي مطعمه ومشربه ، فعلم كيف يدع ويترك ويأخذ ، فهو يعبد اللّه بالأخذ والترك ، يأكل الطعام لأنه حلال ، ويدع ما هو أطيب منه لأنه حرام . فإذا أكل شيئا وترك آخر فلولا تحليله لم يأكله ، ويأتي الهوى ويدع الحرام نعمة من اللّه تعالى على إتيانه الحلال ، وترك الآخر . وإن كان له مال فهذا المأجور على كل حال . وقد روي عن بعض العلماء عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه رغب في الغشيان وأخبر بما عليه من ثواب ، فقال قائل : يا بني اللّه ، أنأتي لذاتنا ونؤجر عليها ؟ فقال : « أرأيتم لو كنتم في خلافه من الحرام أكنتم تأثمون » ؟ قالوا : نعم ، قال : « إذا كنتم في الحلال تؤجرون » . واعلم أنه ليس حال من الأحوال إلا واللّه فيها تأديب . فمن ترك أدبه فيها ، فقد عصى ربه إلا نوما أو سهوا أو ذهاب عقل . فللّه في النفل أدب ، كيف يأخذونه ويتركونه ، فإن فعلوا النفل بتأديبه استوجبوا ثوابه ، وإن تركوا فيه أدبه استوجبوا عقابه . ولم يفرض اللّه على الناس أن ينتفلوا ، فإن لم ينتفلوا لم يثابوا ، وإن تنفلوا على غير ما نفلوا عطبوا ، ولا يجوز أن يعطبوا ، ولا يركبوا ما فيه عطبهم . ثم يؤجروا ، فليس من أحوال ابن آدم حال إلا وهو فيها آثم أو مأجور للّه عزّ وجل في جميع الأمور . بخلقه تعبد ، فمنه ما ألزمهم فعله ، فحرم عليهم تركه ، ومنه ما نفلهم فعله ، وأباح لهم تركه ، وفرض عليهم فيما نفلهم كيف يأخذون وكيف يتركون .
المسائل — صفحة 42 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور